كلمتي في ندوة العلاقات العربية الإيرانية على ضوء الملفات الإقليمية

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



- العلاقات العربية الإيرانية .. الكيفية المنشودة

إن العلاقات العربية الإيرانية تشكل أهمية قصوى في هذا الإقليم وفي هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى ، إذ تواجه الأمة ككل قضايا وملفات لايمكن أن تجاوزها إلا من خلال علاقات دبلوماسية وأحلاف سياسية قائمة على أسس سليمة من إحترام متبادل ومصالح مشتركة وثقة على المستويين الشعبي والرسمي ،وعلى هذا الأساس لابد من السعي نحو ترشيد العلاقات العربية الإيرانية نحو علاقة تكاملية من أجل إقليم آمن ومنطقة خالية من إستغلال العدو لخيراتها وشعوبها وأنظمتها ،

ولعله منه البديهيات المتعارفة أن لغة الدول والأمم اليوم هي لغة المصلحة ، فجميع أنواع الأحلاف في المسرح السياسي الدولي فكرية أو سياسية أو إقتصادية إنما هي تنشد مصلحة أطراف تلك الأحلاف ، فمهما بلغت الأحلاف من الترابط والتماسك ، إلا أن الأطراف تظل متمسكة بالخصوصية والمصلحة القومية ، مما يؤدي إلى تنافس الأطراف المتحالفة ومن هنا خلقت نظرية استراتيجية تخدم هذه الحالات ألا وهي نظرية التعاون التنافسي ، بحيث يتعاون المتنافسون في المشتركات ويتنافسون تكامليا نحو تقديم الأفضل ، مع حفظ خصوصيات كل طرف بشكل لا يؤثر على المشتركات ويكون فيها كل الأطراف رابحين .

إن العلاقات الإيرانية العربية لا تخرج من هذا الإطار ، خصوصا أن الجيرة الجغرافية وسخونة الملفات في هذه المنطقة والعدو المشترك الذي يهدد الجميع ، كل تلك العوامل لابد وأن تؤسس لعلاقات قائمة على الأسس الصحيحة التي ذكرتها ، وأولها بناء الثقة على المستويين الشعبي والرسمي ، أما على المستوى الشعبي فإن هيئات المجتمع المدني اليوم هي المشكلة للرأي العام ، كان لابد من العرب من جهة ومن الإيرانيون من جهة أخرى بناء الثقة المتبادلة بين الشعوب من خلال تواصل هيئات المجتمع المدني لكلا الطرفين تواصلا مثمرا عمليا ، وأما على الصعيد الرسمي فهو يتكامل من خلال بناء الثقة بين الشعوب ، فمتى ما كانت الثقة موجودة بين الشعوب ممثلة بهيئات المجتمع المدني تم تعزيز الجهود الرسمية في العلاقات العربية الإيرانية .


وأحد أبرز أشكال العلاقات المشتركة هي تلك الأحلاف التي تقام بين دولتين أو أكثر ، أو تلك المنظمات الإقليمية المعنية بتنظيم المصالح المشتركة ، خصوصا أن لكل دولة مصالحها ولعل هذه المصالح تتضارب مع الأخرى فلابد من إطار مؤسسي تنظيمي يكفل لكافة الأطراف حقوقها ، ويجنب المنطقة صراع المصالح الفوضوي .

من خلال هذا النموذج للكيفية المنشودة لهذه العلاقات ، لابد من تحقق أهداف تخدم المنطقة ككل بشعوبها وأنظمتها ، إذ أن مثل هذه العلاقات تنقل الجميع من موقع ردة الفعل إلى موقع صناعة الفعل ، ومن موقع مستهلكي الإستراتيجيات إلى موقع تشكيل الإستراتيجيات المشتركة ، مما لا يجعل لأي عدو فرصة في استغلال هذه المنطقة لصالحه من خلال استغلال بعض الأطراف .





- المواجهة المشتركة للتحديات والتهديدات الإقليمية

فلسطين : القضية الفلسطينية هي القضية الأم ، بل وهي المحور الذي تدور حوله بقية القضايا ، فالحلف الصهيوأمريكي ولاستبعاد هذه النظرة (محورية القضية) خلق ملفات أخرى وزرع الفتنة بين الشعوب والأنظمة مستخدما أقدم الأسلحة (سياسة فرق تسد) من خلال الإستغلال الطائفي والشعوبي ، ويبذل الحلف الصهيوأمريكي جل جهوده الدبلوماسية والسياسية من أجل فرض الكيان الصهيوني كواقع لابد من قبوله بل واعتبار الكيان الغاصب دولة صديقة ، ومن هنا تولدت بقية القضايا في هذه المنطقة خدمة لهذه الإستراتيجية ، بينما هذه القضية تلعب دورا كبيرا في تعزيز العلاقات العربية الإيرانية كعلاقات إسلامية أيدلوجية ، وبدورها هذه العلاقات العربية الإيرانية تلعب دورا كبيرا في الإتجاه نحو حل هذه القضية والتي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إدارتها لا حلها ، لأن إدارة هذه القضية هي في صالح الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ، أما الحل فحتما لن يكون إلا في صالح كل المسلمين والعرب وذلك في استرداد أرض مسلوبة ، وإزاحة كيان غاصب يهدد أمن المنطقة بالكامل دون استثناء من خلال أساليب شيطانية تهدف إلى تشتيت الأمة على كل المستويات وذلك بخلق حالة من عدم الثقة من خلال زرع الأوهام وتضخيم الإختلافات وتهويل ملفات لصالح ملفات أخرى كما مسألة النووي الإيراني الذي تبرزه الولايات المتحدة وحليفتها الصهيونية كملف يهدد أمن المنطقة وصرف الأنظار تماما عن الملف النووي الصهيوني .

الملف النووي الإيراني : إن طابع هذا الملف لابد أن يكون طابعا تقنيا تختص به الوكالة الدولية للطاقة الذرية دون أدنى ضغوط ولا تدخلات من كل الأطراف ، كي تبقى القضية في مجالها ، حينها فقط تظهر الحقائق كما هي لا كما يراد لها أن تكون ، فلم يعد خافيا تزوير الولايات المتحدة الأمريكية للحقائق لتمريرها عبر الأمم المتحدة والتي هي مصابة بشلل الفيتو الذي يتحكم بمصير العالم ، وما أسلحة الدمار الشامل في العراق إلا مثال صارخ على ذلك ، وبالعودة إلى المف النووي الإيراني أُخرج هذا الملف من مجاله التقني إلى ساحة التجاذبات السياسية ، بل وإستخدامه كأداة لخلق التوتر في المنطقة من أجل بقاء القواعد الأمريكية والأوربية فيها للهيمنة على سياسات المنطقة وتجييرها لصالح الحلف الصهيوأمريكي بحجة حماية دول المنطقة من خطر هذا الملف المزعوم ، فنرى تارة التهويل من الأخطار الصحية للملف النووي الإيراني دون الصهيوني ، وتارة أخرى يُخلق خطر قومي فارسي لتغييب عن الأذهان الخطر الصهيوني العنصري ، ومن هنا كان لابد للعلاقات العربية الإيرانية أن تكون مبنية على أساس الثقة على المستويين الشعبي والرسمي ، وذلك من خلال نظرية التعاون التنافسي فبإمكان العرب الإستفادة من التجربة النووية الإيرانية لنقل الخبرات لهم خصوصا أن الطاقة النووية هي حتما ستكون طاقة المستقبل التي إن لم يمتلكوها فسيملكهم من يمتلكوها مستقبلا .

الملف العراقي : إن هذا الملف بما فيه من تعقيدات كان هدفه الأساس هو جعل الولايات المتحدة جارة للدول العربية والإسلامية ، لتكون لاعبا أساسيا في الساحة الإقليمية ، إلا أنهم غرقوا في مستنقع هذه الساحة ، حتى بات هذا الملف محط جدل في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة وكل مرشح حاول تقديم رؤية للمخرج من هذه القضية ، إلا أن المخرج من هذه القضية لابد أن لا يكون بيد أمريكا بقدر ما يكون بيد العراقييون ودول جوار العراق ، فعلى قاعدة المصالح ومع وجود الولايات المتحدة الأمريكية في العراق لن تنتهي القضية العراقية ، بل ستتدخل كل الدول تدخلا سلبيا بدعوى المحافظة على أمنها ومصالحها مما يجعل العراق ساحة للعبث والصراع على حساب العراقيين ، إذا فالحل يكمن أساسا في خروج المحتل الأمريكي من العراق مع تعزيز القوات العراقية العسكرية وتمكين العراقيين من إدارة بلدهم بالكامل من خلال العلاقات العراقية مع دول الجوار التي يجب وجوبا حتميا بعد تلك الحقبات المظلمة أن تبنى تلك العلاقات على الثقة المتبادلة بين الشعوب والأنظمة ، من خلال كافة الأداوت الدبلوماسية ، فيتحول دور الدول من التدخل السلبي الذي يؤثر بلا شك على أمن المنطقة إلى التدخل الإيجابي لبناء العراق وعودته إلى الحاضنة العربية الإسلامية واستعادته لدوره الفعال في قضايا الأمة العربية والإسلامية وعلى رأسها الخطر الصهيوني .

ملف اللبناني السوري : في هذا الملف تحاول الولايات المتحدة الأمريكية بعد الهزائم الصهيونية في أرض لبنان منذ التحرير عام 2000 إلى حرب تموز 2006 أن تصور المقاومة على أنها خطرا على شعوبها وذلك لإفقاد هذه المقاومة حاضنتها الإجتماعية ورصيدها الشعبي العربي الإسلامي ، من خلال عدة وسائل كان أبرزها إستغلال حادثة اغتيال رئيس الوزرء اللبناني رفيق الحريري في زعزعة ثقة الشعب اللبناني في البداية في المقاومة من خلال توجيه أصابع الإتهام لها ولحليفتها سوريا ، والتي يبذل جهد دبلوماسي كبير لتحييدها من هذا الصراع وخروجها من حلفها مع إيران والمقاومة الإسلامية اللبنانية ، إلا أن الناظر المتفحص والباحث عن المستفيد من هذه الحادثة لا يشك بالأيادي الصهيونية في وقوفها خلف هذا الحادث ، ، وبعد حرب تموز 2006 وبعد الفشل الذريع الذي أقر فيه الصهاينة فشل مشروع الشرق الأوسط المسخ الذي كانت تتبناه الولايات المتحدة وحليفتها ، وفشل مشروع القضاء على المقاومة الإسلامية اللبنانية ، فحاول الحلف الصهيوأمريكي أن يجني تلك المكتسبات من خلال السياسة الداخلية اللنانية ومن خلال تأزيم العلاقات مع جارتهم سوريا ، ومن هنا كان لزاما على الشعب اللبناني الإلتفات إلى حجم ما يحاك ضده ، وهو الشعب المعروف بوعيه وإجتيازه للمحن بنجاح ، ومما هو واضح للعيان التدخل الخارجي في الساحة اللبنانية والذي لابد أن يتحول إلى تدخل إيجابي لحلحله الأمور وسد الطريق على الصهاينة ، بل ومن خلال العلاقات السورية الإيرانية يمكن لكافة العرب تعزيز العلاقات مع إيران على أساس الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة والمبادئ الإسلامية .

ملف الحوثيين في اليمن : إن هذا المف كان لابد من طييه داخليا وبشكل سياسي كما بدأ بدل من تحويله إلى ملف خارجي طائفي يسهم بتأزيم العلاقات بين الدول الإسلامية كشعوب وكأنظمة ، فكان لزاما على النظام اليمني الجلوس على طاولة الحوار مع أبناء شعبه للتوصل إلى الحل التوافقي الذي يحفظ حق الجميع ويحفظ اليمن من التقسيم ، ولكن للأسف اليوم اتخذ هذا الملف بُعدا إقليميا ، والأزمة أصبحت مرشحة لتطورات خطرة وسيناريهوات غير مرغوب فيها ، حيث يرادُ من هذا الصراع أن يُشغل المنطقة بنزاعات طائفية استنزافية يمكن أن تتحول إلى حرب باردة بين عدة أطراف ، وبالتالي لن يكون رابحا من الأمة الإسلامية كما حدثت التجارب ، بل سيكون الرابح حتما عدو هذه الأمة .


نسأل الله أن يجعل هذا البلد آمنا ، ونسأل الله أن يوحد أمتنا على عزة وكرامة وأن يخذل أعدائها ويخرجهم من ديار المسلمين أذلة ، والحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مخيم الصفاء السابع .:. 2010 .:. رحمة للعالمين





لمتابعة أخبار المخيم اضغط على البنر

شهر يذهب آخر يأتي .. ثم ماذا ؟!


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




نبارك لكم حلول شهر ضيافة الرحمن شهر رمضان المبارك نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لصيامه وقيامه ، ونسأله أن يوفقنا فيه للعلم والعمل الصالح ، لعله يدور في خلد الإنسان سؤال حول المواسم الرحمانية التي أفاضتها الرحمة الإلهية على أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فمن شهر محرم الحرام إلى شهر رجب الأصب ويليه شهر شعبان وبعده شهر الله شهر رمضان وكذلك موسم الحج ذاك النداء الذي انطلق منذ عهد الخليل ابراهيم (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام).

شهر يذهب آخر يأتي .. موسم يأتي وينقضي باستقبال موسم آخر .. ثم ماذا ؟! إن الإنسان المؤمن بحاجة دوما إلى وقفات مع النفس لتحديد المواطن الإيجابية وتنميتها ، وتحديد مواطن الخلل وتقويمها ومن هنا كان لكل موسم من تلك المواسم والمناسبات وقفه مع جانب من جوانب الإنسان ، ففي شهر محرم الحرام لابد أن يقف الإنسان مع النفس ويحدثها حول ارتباطها بالعترة الطاهرة ، إن مثل هذه المناسبة التي هزت الوجدان الإنساني ، وستبقى حرارتها مخلده هي محطة عبادية مرتبطة بتلك البقعة المكانية والزمانية (كربلاء) .. وهكذا هي كل المواسم ذات فلسفة وغاية حكيمة .

شهر رمضان الذي نحن في رحابه في مثل هذه الأيام المباركة ، لابد كي نعي قيمة هذا الشهر وهذه الأيام هو أن نعرف أننا في ضيافة الله عز وجل ، وهذه الضيافة تقتضي منا استعدادا روحيا ، وإحساسا حقيقيا بهذه الضيافة ، واستشعارا بمراقبة المولى جل شأنه ، فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته الشعبانية : " أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة،شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات،وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله،أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عباده وعملكم فيه مقبول ودعائكم فيه مستجاب،فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم " أي من حرم من هذه الضيافة .

إن الإنسان منا عندما يكون على موعد مع من هو مهم من خلق الله ، يحسب الحساب لكل صغيرة وكبيرة بدءً من اللباس وانتهاءً بما سينطق ويفعل ، فما بالنا والموعد مع الله رب الخلائق المنعم المفضل ، وما بالنا والموعد مع الحبيب الذي لا مثله حبيب ، شرنا إليه صاعد وخيره إلينا نازل ، فحينما نقع في معصيته يجيبنا بـ " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " ، ألا يستحق مثل هذا الحبيب أن نكون على استعداد تام كامل بجميع الجوانب من أصغرها إلى أكبرها ، فكل حركة وسكنه وقول ولفظ لابد أن يكون له حسابه فلا صغير ولا كبير ما دمنا في حضرة الباري جل جلاله .

إن صيامنا هو ليس صياما ماديا كما يتصور الكثير ، إنما صيامنا ينبغي أن يكون صياما عرفانيا كما يُصطلح ، إذ أن الصيام على ثلاثة أنواع ، الأول هو ذلك الصيام الذي يصفه الفقهاء بأنه الإمساك عن المفطرات من صلاة الفجر إلى صلاة المغرب ، حتما مثل هذا الصيام يسقط التكليف ولكن من الخزي والعار أن يكون ذاك هو مطلب الإنسان وهو في ضيافة الرحمن ، وهناك الصيام الذي يكون فيه الصائم مع تحقيقه للنوع الأول صائما عن كل ما حرم الله محاولا تهذيب النفس وكبح جماح الهوى ، إلا أنه أرقى أنواع الصيام كما يرى العرفاء هو ذلك الصيام الذي لا يكون فيه الإنسان إلا لله ، بحيث لا يكتفي المرء بالأفعال والأقوال بل حتى الفكر يصوم والروح تصوم .

نعم قد يقول البعض أنه من الصعب السيطرة على التفكير والخيال ، إلا أن الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه يشبه الخيال والتفكير بالطائر ، إذا تركته يطير حيث شاء هو لا كما تشاء أنت ، وإن حبسته ودربته ووجهته يطير حيث شئت أنت ، فالمسألة ليست كما يتصور البعض أنها خارج السيطرة ، إنما هي الإرادة الإنسانية التي توجه طائر الخيال والتفكير إلى ما تريد ، وحتما المراد هو الحبيب الذي ليس كمثله حبيب ، فنحن في هذه الأيام على موعد مع المائدة الإلهية فلنكن أهلا لذلك لنكون قد حققنا الهدف المرجو من مثل هذا الموسم ، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لمرضاته .

وهل المهدي إلا الحب ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عندما سئل عن الحب : " وهل الدين إلا الحب" ، نعم هو كذلك خصوص إذا ما تأملنا أهداف وتعاليم الإسلام وقارناها بفعال رجال الإسلام المخلصين ، لعرفنا أنهم تطبيقا حقيقيا للآية الكريمة في سورة الفتح إذ يقول الله جل جلاله : " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانً " فهذا الدين هو دين الحب والعشق الإلهي ، فحتى الهدف الذي رسمته الآية للمؤمنين هو فضل ورضوان الله لا الطمع في الجنة والخوف من النار إذ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : " إلهي ماعبدتك خوفاً من نارك ، ولاطمعاً في جنتك ، لكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك " .

إن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا مصداقا لهذه الآية الكريمة والتي وردت بمعناها في التوراة والإنجيل ، إذ هم مصاديق الرحمة الإلهية على البشرية في كل تحركاتهم ، ولعل التاريخ زاخر في سرد قصص الآل في تعاملهم مع الفقراء والمساكين ، وكذلك مع الآخر من أهل الكتاب وغيرهم ، وكذلك حينما تولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الأمة كيف كان تعامله مع الرعية وهو القائل في عهده لمالك الأشتر النخعي (رضوان الله تعالى عليه) " وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم " وعهده لمالك الأشتر هو الوثيقة الإنسانية الأسمى للحكم الصالح بما تحويه من مبادئ إنسانية تتوافق ومنهج الرحمة والمحبة الإسلامي .

وبالتركيز على اسلوبهم الدعوي فقد كان عمليا قبل أن يكون بالكلام ، فهم النموذج الأسمى للإسلام كما نزل على صدر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالإنسان القدوة لا يكون بالكلام فقط ، فكلامهم مقرون بالفعل بل ويكون دعوة للإقتداء بالفعل ، أي أن كل ما نطق به الآل الكرام ترجموه فعالا ، إذ يمقت الله اختلاف القول عن الفعل إذ قال جل جلاله في سوره الصف : " كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ " ، وقد قيل في الشعر " لا تنه عن خلق وتأت بمثله .. عار عليك إذا فعلت عظيم " .

أما في الحوار فهم – أي آل البيت (عليهم السلام) – ترجمة للآية الكريمة في سورة النحل : " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " ، فالتاريخ يروي مناظراتهم مع مخالفيهم من شتى الأديان والمذاهب ، فلم نجد يوما أن إماما منهم قسى في حواره مع الآخر أو عرّض فيهم ، إنما كانت مناظراتهم وحواراتهم كلها حوارات عقلانية تتسم بالحجة والبرهان ، وكانت تلك الحوارات هدفية من باب رحمتهم ورأفتهم بعباد الرحمن .

نستنتج من كل ما سبق أن العنف لا محل له في فكر آل البيت (عليهم السلام) ، إلا حينما يتعلق الأمر بالدفاع بشتى أنواعه (دفاع عن : المبدأ والنفس والعرض والمال) ، ويكون هو آخر الدواء لا أوله ، كما حدث مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كانت حروبه كلها دفاعية لا ابتدائية وكانت آخر الدواء والعلاج بعد أن نفذت الأساليب كلها مع القوم المشركين ، وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي اضطر إلى الحرب حتى أنه كان يكره أن يبدأ القوم بالقتال إلى أن منعوا الماء ، فرجح عليه السلام التفاوض معهم ، إلا أنهم أبوا حينها قال مقولته التاريخية " الموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين " وهنا حارب وسيطر على الماء ولم يمنعه عن من منعه عنه ، وكذلك أبو الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء وهو محاصر مع أهل بيته وأصحابه كره أن يبدأ القوم بالقتال إلى أن أتت السهام إلى مضاربه فقام للدفاع ، بعد عدة أساليب لهداية القوم إلى أن بكى سيد الشهداء على أعداءه لأن مصيرهم جهنم ، فهذا هو منهج الحب والرحمة .

يقول الله جل جلاله في سورة القصص " وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ " ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه يأتم به وبأئمة الهدى من قبله وتبرأ إلى الله عز وجل من عدوّهم. " ، المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بقية الله وسليل العترة المحمدية ، هل سيكون استثناء مما سبق ذكره ؟! فكثيرا ما نسمع الترهيب والحروب حينما يذكر اسمه ومرحلته ، ولكن قبل أن نجيب على هذا السؤال لابد من النظر في مسألة مهمة جدا وردت في الحديث الشريف الآنف الذكر إذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بشر المؤمنين به قبل قيامة بالخير ، نعم المطلوب هو ذاك شحذ الهمم لظهوره من خلال التمهيد لذلك عمليا ، فالإنسان المؤمن لابد أن يكون واعيا لدينه ملتزما تعاليمه نافعا في مجتمعه مشاركا أمته منتظرا المخلص الذي سيمن الله به على المستضعفين .

نعود الآن إلى التساءل المهم وهو هل سيكون الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) استثناء مما سبق ذكره في المقال ؟! نعم المرحلة المهدوية هي مرحلة استثنائية لا في الإسلام فقط ولا في تاريخ العترة الطاهرة فقط بل هي مرحلة استثنائية في تاريخ البشرية والمعمورة ، وهذه المرحلة الإستثنائية تتطلب تحركا استثنائيا إلا أن التحرك الإستثنائي هل يتطلب الخروج عن المبادئ والقواعد الأساسية ؟! تتنوع الأساليب ولكن المنطلق واحد والهدف هو أن تكون " كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا " ، فالإستثناء في مرحلة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) ليس استثناء من القواعد الأساسية التي تحرك على إثرها آباءه الطاهرون (عليهم السلام) ، فقد اختلفت الظروف الموضوعية في عصور آل البيت (عليهم السلام) فتنوعت أساليبهم في مواجهة تلك العصور ، إلا أن القاسم المشترك هو القواعد الأساسية أي ما يصطلح عليه اليوم (الأيدلوجية) أو الفكر ، وكذلك الهدف الأسمى .

ومن هنا نتساءل أين الأمة من ذكر عبادة المهدي (عجل الله تعالى فرجه) ، أين هم من ذكر رحمته ورأفته بالمؤمنين إذ أنه يشكل الأمل لهم ، أين هم من ذكر ما ورد من محاولاته لهداية العالمين إلى أن ينزل السيد المسيح (عليه السلام) ليشكل التكامل مع صاحب العصر والزمان في الدعوة إلى الله فتتكامل الأمة الإلهية في أن يهدي السيد المسيح (عليه السلام) أمته إلى الصواب والقسط في الأرض ، نعم ستكون هنالك المعركة الخاتمة التي ستفصل بين الحق والباطل ، وترجح كفة الحق ويتحقق الوعد الإلهي ، إلا أن هذه المعركة الحاسمة هدفها هو رحمة للعالمين ، فالمستشهدين بين يديه – وطوبى لهم – حتما سيفوزون فوزا عظيما ، والمنتصرين معه سيشهدون دولة الحق ، إذ أن النفوس تواقه إلى بسط القسط والعدل في المعمورة ، بعد هذا كله (هل المهدي إلا الحب؟!) .

أرشيف مقالاتي " أفكار توافقية " الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تم الآن تنظيم أرشيف كامل لمقالات أعضاء حركة التوافق الوطني الإسلامية المنشورة في الصحف المحلية ومنها مقالاتي المنشورة تحت زاوية بعنوان " أفكار توافقية " ، للإطلاع على الأرشيف اضغط هنا ، وسيكون الارشيف متجددا ويحيوي أقسام أخرى تحوي مواقف وبيانات وأبحاث وأنشطة حركة التوافق الوطني الإسلامية .