شهر يذهب آخر يأتي .. ثم ماذا ؟!


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




نبارك لكم حلول شهر ضيافة الرحمن شهر رمضان المبارك نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لصيامه وقيامه ، ونسأله أن يوفقنا فيه للعلم والعمل الصالح ، لعله يدور في خلد الإنسان سؤال حول المواسم الرحمانية التي أفاضتها الرحمة الإلهية على أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فمن شهر محرم الحرام إلى شهر رجب الأصب ويليه شهر شعبان وبعده شهر الله شهر رمضان وكذلك موسم الحج ذاك النداء الذي انطلق منذ عهد الخليل ابراهيم (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام).

شهر يذهب آخر يأتي .. موسم يأتي وينقضي باستقبال موسم آخر .. ثم ماذا ؟! إن الإنسان المؤمن بحاجة دوما إلى وقفات مع النفس لتحديد المواطن الإيجابية وتنميتها ، وتحديد مواطن الخلل وتقويمها ومن هنا كان لكل موسم من تلك المواسم والمناسبات وقفه مع جانب من جوانب الإنسان ، ففي شهر محرم الحرام لابد أن يقف الإنسان مع النفس ويحدثها حول ارتباطها بالعترة الطاهرة ، إن مثل هذه المناسبة التي هزت الوجدان الإنساني ، وستبقى حرارتها مخلده هي محطة عبادية مرتبطة بتلك البقعة المكانية والزمانية (كربلاء) .. وهكذا هي كل المواسم ذات فلسفة وغاية حكيمة .

شهر رمضان الذي نحن في رحابه في مثل هذه الأيام المباركة ، لابد كي نعي قيمة هذا الشهر وهذه الأيام هو أن نعرف أننا في ضيافة الله عز وجل ، وهذه الضيافة تقتضي منا استعدادا روحيا ، وإحساسا حقيقيا بهذه الضيافة ، واستشعارا بمراقبة المولى جل شأنه ، فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته الشعبانية : " أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة،شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات،وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله،أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عباده وعملكم فيه مقبول ودعائكم فيه مستجاب،فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم " أي من حرم من هذه الضيافة .

إن الإنسان منا عندما يكون على موعد مع من هو مهم من خلق الله ، يحسب الحساب لكل صغيرة وكبيرة بدءً من اللباس وانتهاءً بما سينطق ويفعل ، فما بالنا والموعد مع الله رب الخلائق المنعم المفضل ، وما بالنا والموعد مع الحبيب الذي لا مثله حبيب ، شرنا إليه صاعد وخيره إلينا نازل ، فحينما نقع في معصيته يجيبنا بـ " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " ، ألا يستحق مثل هذا الحبيب أن نكون على استعداد تام كامل بجميع الجوانب من أصغرها إلى أكبرها ، فكل حركة وسكنه وقول ولفظ لابد أن يكون له حسابه فلا صغير ولا كبير ما دمنا في حضرة الباري جل جلاله .

إن صيامنا هو ليس صياما ماديا كما يتصور الكثير ، إنما صيامنا ينبغي أن يكون صياما عرفانيا كما يُصطلح ، إذ أن الصيام على ثلاثة أنواع ، الأول هو ذلك الصيام الذي يصفه الفقهاء بأنه الإمساك عن المفطرات من صلاة الفجر إلى صلاة المغرب ، حتما مثل هذا الصيام يسقط التكليف ولكن من الخزي والعار أن يكون ذاك هو مطلب الإنسان وهو في ضيافة الرحمن ، وهناك الصيام الذي يكون فيه الصائم مع تحقيقه للنوع الأول صائما عن كل ما حرم الله محاولا تهذيب النفس وكبح جماح الهوى ، إلا أنه أرقى أنواع الصيام كما يرى العرفاء هو ذلك الصيام الذي لا يكون فيه الإنسان إلا لله ، بحيث لا يكتفي المرء بالأفعال والأقوال بل حتى الفكر يصوم والروح تصوم .

نعم قد يقول البعض أنه من الصعب السيطرة على التفكير والخيال ، إلا أن الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه يشبه الخيال والتفكير بالطائر ، إذا تركته يطير حيث شاء هو لا كما تشاء أنت ، وإن حبسته ودربته ووجهته يطير حيث شئت أنت ، فالمسألة ليست كما يتصور البعض أنها خارج السيطرة ، إنما هي الإرادة الإنسانية التي توجه طائر الخيال والتفكير إلى ما تريد ، وحتما المراد هو الحبيب الذي ليس كمثله حبيب ، فنحن في هذه الأيام على موعد مع المائدة الإلهية فلنكن أهلا لذلك لنكون قد حققنا الهدف المرجو من مثل هذا الموسم ، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لمرضاته .

0 التعليقات: