بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فلنتحدث اليوم بكل صراحة وشفافية ، فكلنا يعرف أن الشباب كتلة من الطاقات المتحركة ، وأن الشباب هي مرحلة القمة في العمر الإنساني ، ونحن نعيش اليوم زمن الملهيات ودنيا الملذات ، فأين ما تولي وجهك ترى ما يثيرك ، وبضغطة زر يتوفر عندك ما تريد ، والشيطان من المنظرين إلى يوم معلوم ، فما العمل إذا كانت الدنيا والهوى والشيطان مجتمعون كلهم في سبيل إغواء هذا الشباب ؟! أنا أود أن أتساءل بطريقة التفكير بصوت عال كما يقال : هل هناك شباب نجحوا في هذه المعركة الشرسة ؟! إن كان الجواب نعم فهل هؤلاء استثناء مما ذكر من الطاقات المتحركة أم أنهم سخروا هذه الطاقات لصالحهم في هذه المعركة ؟! هؤلاء الشباب عرفوا أن مقابل الدنيا والهوى والشيطان ، قوى موازية بل لو فُعلت لفاقت تلك القوى في التأثير على النفس الإنسانية مثل قوة العقل والقلب والقانون الديني ، فلو وجد نموذج واحد من الشباب تغلب على المهليات المرديات لكفى لكونه حجة على كافة الشباب المؤمن بأن القدرة موجودة وكامنة تحتاج منك التحريك .
لكن مصيبتنا اليوم هو ذلك الذي يكذب على نفسه بما يسميها محاولة التوبة أو محاولة الخلاص ، فتراه متبرما من عدم القدرة أو يائسًا والعياذ بالله ، يقول الباري سبحانه : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (سورة الزمر – آية 53) ، وأتصور أن هذه الحالة نتاج كذب الإنسان على نفسه ليقتنع انه فعل ما عليه وبالتالي يرتب نتيجته الخطيرة وهي ما ذكرت من عدم القدرة أو اليأس ، وهذا مؤداه إلى حالة أخطر للأسف وقعنا فيه اليوم بشكل كبير ونسمعه من الكثير ، وهي حالة " تبرير الخطيئة " والتي توصل إلى مرحلة أخطر وأخطر وهي مرحلة " الخطيئة = الفضيلة " ، وهذا يعد أكبر خلل قد يطرأ على منظومة القيم الإنسانية ، وهي مرحلة يعربد فيها إبليس وجنده في النفس الإنسانية ، ولابد في هذه الحالة من العلاج الجذري ، فليواجه الإنسان نفسه ويسعى لمعرفتها ومعرفة كوامنها لإستغلال هذه النفس وتسخيرها لصالحه كي لا تسخره هي لهلاكه ، فإذا ما تغلب على المسألة من أساسها فالنتائج حتما تكون طوع اليد .
إن من يريد التوبة يضع نفسه في مواضعها لا العكس ، فماذا يتوقع من الغارق في الملهيات ويطلب التوبة ؟ وماذا يتوقع من اللاهي في المظاهر ويطلب الجواهر ؟ فهو كمن يسمع الغناء ولا يريد الطرب وكمن ينظر إلى تلك الصور المحرمة ولا يريد الإستثارة ؟ فكفى كذبا على النفس ولابد من مواجهتها بمواضع الرحمة والتوبة ، فالقرآن الكريم ومفاتيح الجنان والصحبة الصالحة ومجالس أهل البيت عليهم السلام والإختلاء بالله ليلا ، ليس شرطا للصلاة والدعاء وإن كانت هذه الصلاة والدعاء لذة المؤمن وأنسه ولكن يختلي ليلا ولو للتفكر والتأمل فقد ورد في الكافي الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : " نبه بالتفكر قلبك ، وجاف عن الليل جنبك، واتق الله ربك " وأيضا الحديث الشهير عن المعصوم الوارد في الكافي الشريف وبحار الأنوار " تفكر ساعة خير من قيام ليلة " ، فتلك المواضع التي ينبغي على الإنسان أن يضع نفسه فيها ، ومقياس صحة الموضع أن تراعي الله جل جلاله وتراعي أهل البيت (ع) ، دوما فلنتسائل ماذا لو كان صاحب الزمان (عج) معنا وهو حتما مع شيعته ومواليه فكيف سيكون تصرفنا ؟! لست أدعو للعزلة والتصوف إنما أدعو إلى التقوى التي تعني أن تكون في الناس ولا تكون معهم .
ما الحل في خضم هذا الكلام النظري ؟! الجواب كلمة واحدة هي " التقوى " ، لأن التقوى إنما هي أمر عملي لا تنظيري ، وأكتفي في موضوع التقوى بكلام المرجع الديني آية الله العظمى السيد كاظم الحائري دام ظله الشريف في كتابه القيم " تزكية النفس " إذ يقول : " والتقوى من الوقاية بمعنى : التوقي ، وفي عرف المتشرعة يقصد بها التوقي من عذاب الآخرة أو من غضب الرحمن " " وقد قسمها الشيخ المجلسي رحمه الله إلى ثلاث مراتب : الأولى وقاية النفس من العقاب المخلد بتصحيح العقائد الإيمانية ، الثانية التجنب عما يؤثم من فعل أو ترك قال وهو المعروف عن أهل الشرع ، والثالثة – وهي الأهم – التوقي من كل ما يشغل القلب عن الحق " وفي هذا عادة ما يطرح مثال رائع يجسد التفكير بالحرام ، فالتفكير فى الحرام يسود الوجه مثله كالدخان الذي يسود المكان وإن لم يحرقه .. حاول ان تنقى فكرك من كل قبيح : تفكيرا في شهوة ، او حبا في انتقام .. أليس هو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور ؟!، وينقل سماحة السيد الحائري حفظه الله رواية عن الإمام الباقر عليه الصلاة والسلام لأساليب الشيطان في نزع لباس التقوى : " لما دعا نوح ربه عزوجل على قومه أتاه إبليس :
فقال : يا نوح إن لك عندي يدًا ! أريد أن أكافيك عليها
فقال نوح عليه السلام : إنه ليبغض إليّ أن يكون لك عندي يد فما هي ؟!
قال : بلى دعوت الله على قومك فأغرقتهم ، فلم يبق أحد أغويه ، فأنا مستريح حتى ينسق قرن آخر وأغويهم
فقال نوح : ما الذي تريد أن تكافيني به ؟
قال – أي إبليس - : اذكرني في ثلاث مواطن فإني أقرب ما أكون إلى العبد إذا كان في إحداهن : إذكرني إذا غضبت ، واذكرني إذا حكمت بين اثنين ، واذكرني إذا كنت مع إمرأة خاليا ليس معكما أحد "
والملخص من كل ذلك التقوى هي حضور الحاكم الشاهد – الله جل جلاله - في حياة الإنسان بكل تفاصيليها ، واستحضار المعركة الأبدية مع إبليس عليه اللعنه وخصوصا في المواضع التي يبرع فيها في إسقاط حتى المؤمن .

0 التعليقات:
إرسال تعليق