بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن عالما يتقارب كل يوم أكثر فأكثر ، وتتواصل شعوبه وتتقارب أكثر فأكثر ، عالم لا مكان فيه لقيود الإستبداد ، خصوصا بعد خروج وسائل الإتصال والإعلام من الإحتكار إلى الجماهير ، فبات الصوت مسموعا في كل الأرجاء ، شاءت الأنظمة الإستبدادية أم أبت لأنها لم تعد تمتلك وسائل صنع الرأي العام لوحدها ، بل صار الأمر بيد الأقوى حجة وعرضا بعد أن أصبح الأمر متاحا للجميع ، وبات المعيار الحقيقي هو بيد الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه ، بعد حقب ساد فيها زخرف القول غرورا ، ومن هنا لعبت مواقع التواصل الإجتماعي كالفيس بوك والتويتر والمنتديات الإلكترونية دورا فعالا في تقارب الشعوب وإيصال الرسائل ، ونقل الصورة كما هي دون أجندات الإعلام والحكومات ، فلذا ستشهد الأيام فورات الحرية وثورات الغضب وأيام الكرامة في العديد من دول الإستبداد ، هذا الحراك الواسع في العالم العربي من قبل الشعوب هو الذي وضع الغرب في زاوية محرجة جدا بعد أن أسمع صوته للعالم بأنه لا ينشد إلا الحرية في تقرير المصير ، هذا المبدأ الذي ملئ الغرب به آذاننا بينما هو الداعم الأساس لأنظمة الإستبداد التي تسقط واحدة تلو الأخرى بيد شعوبها ، وبعدها سيعرف الغرب خيارات الشعوب الحقيقية ، فحينها يكون المحك والإختبار الحقيقي لمعايير هؤلاء وإن تكشفت لدى كل ذي لب خصوصا بعد الإنتخابات في فلسطين وصعود حركة المقاومة الإسلامية ، وكذلك في الحراك السياسي اللبناني الذي جاء وفق اللعبة الديمقراطية التي يدعون تبنيها وإذا بهم أول كافر بها حينما جرت الرياح بما لا تشتهيه سفنهم .
إن عصرا كهذا هو عصر الشعوب المستضعفة ، وقد بدأ منذ أن ثار الشعب الإيراني في وجه الشاه وأقام الشعب نظامه الذي يرتضي ، وتلته لبنان إذ صمدت المقاومة الإسلامية واستبسلت إلى أن طرد العدو الصهيوني من الأراضي اللبنانية ، وما زالت المقاومة مرابطة على ثغور الأمة ، كرأس حربة للدفاع عن كرامة الشعوب ، وهذه الحركة ومثيلاتها هي نتاج الشعوب المستضعفة ، وكذلك حين ننتقل إلى الشعب التونسي الذي بدأ سلسلة من أيام غضب يبدو أنها لن تنتهي إلا بنهاية الطغاة والمستبدين ، كل بلد حسب ظروفها وشعوبها وأنظمتها ، فالشعب التونسي ثار في وجه أعتى الأنظمة الأمنية الإستخبارية في العالم العربي إلى أن أسقط نظامه وما زال نظاله مستمرا حتى الخلاص من كافة آثار الحقبة السالفة وصولا لتنفيذ الرغبات الشعبية التي هي الصانع الأساس لشرعية الأنظمة ، وبعدها ثار الشعب المصري ثورة في وجه النظام الذي ما فتئ يهين شعبه ، بإخلاصه في عمالته للغرب وللعدو الصهيوني ، حتى بات هذا النظام هو العمق الإستراتيجي الرئيسي في المنطقة للعدو الصهيوني وحلفاءه ، فهذه الثورة المصرية كشفت حجم الهوة بين شعوب المنطقة وأنظمتها في المواقف على مر السنين ، واليوم ثارت الشعوب الأخرى ضد أنظمتها ، فهاهي البحرين اليوم تواجه نظام الطغيان والفساد ، وليبيا واليمن والحبل على الجرار بإذن الله ، و لقد حاولت هذه الأنظمة تشويه الصورة وجر الشعوب نحو سياساتها الإنهزامية ، إلا أن أيام الغضب وخصوصا في مصر قد خيبت مساعيهم وستتكشف المواقف أكثر فأكثر كلما انتقلت هذه الأيام الثورية من منطقة إلى أخرى على يد المستضعفين لا الضعاف ، إذ أن المستضعف هو قوة مستهتر بها يمكنها هز عروش الطواغيت المستكبرين والذين هم واقعا صغار أمام قوة المستضعف إذا فعل قواه ، فهذه سنة الله جل جلال " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ، فالمسألة ليست إنتقال أوتوماتيكي أو عدوى من شعب إلى آخر بقدر ما هي تدبير من الشعوب مع مراعاة ما ذكرنا من ظروف موضوعية لكل بلد ونظام .
ومن التجربتين التونسية والمصرية لابد من التوقف حول جدلية مهمة ، وهي جدلية العمل الشعبي والنخبوي ، إن الثورات واقعا هي شعبية الصنع والإرادة نخبوية التدبير والقيادة ، فكل متابع غيور لمجريات الأمور في تونس ومصر وما قد يحدث في المستقبل حتما مصدر قلقه يكون من اختطاف الثورة أو الإلتفاف عليها عبر أنصاف الحلول ، لأن الثورات إلى الآن حققت الشق الأول وهي الصنع الشعبي للثورة ، ولكن هذه الشعوب إلى الآن لم تلتف حول قيادة مخلصة تعبر عن توافق وطني لتدبير وقيادة الثورة ، دور هذه القيادة يكمن أولا في التصدي لكل محاولات اختطاف جهود الجماهير الثورية ، وثانيا صد محاولات الأنظمة في الإلتفاف على مطالب الشعوب ، فالدور الشعبي والنخبوي متكاملين لابد من توافرهما معا لتحقيق إرادة الشعوب المشتركة ، وثالثا والأهم في دور القيادة والنخبة هو توحيد الرؤى الشعبية التي حتما تكون مختلفة باختلاف التوجهات الثائرة ، وبعدها تبدأ عملية قيادة الجماهير بشكل تنظيمي ومركز حتى تحقق كافة الأهداف ، خصوصا أن الثورة لا تحتمل أنصاف الحلول ، لأنها حركة راديكالية جذرية ، فالناس لو كانت تقبل أنصاف الحلول لما ثارت بهذا الغضب ، وعليه لابد من الإلتفات لمكر الأنظمة في امتصاص الغضب الشعبي من خلال أنصاف الحلول تحت شعار الإصلاح " الآن فهمتكم " أو شعار " الإصلاح السياسي " ، وكذلك كي لا تضيع الجهود لابد من الفطنة للمكر الدولي الذي صار يخاف من المستقبل المجهول حينما يكون بيد الشعوب الحرة ، فيطرح على الساحة وجوها كمنقذين للوضع بينما هم وجوها أخرى لعملة الحكم الفاسدة التي هي صنيعتهم وهنا تختطف الثورة وتضيع الجهود ، والرهان على وعي الشعوب في فهم هذه العوامل المترابطة والوصول إلى النهاية ، يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام " تد في الأرض قدمك ، أعر الله جمجمتك ، ارم ببصرك أقصى القوم " .

0 التعليقات:
إرسال تعليق