عاشوراء .. صراعات الفهم وحرمة الموسم!

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



النص .. أي نص كان ، يختلف في فهمه القراء والسامعون ، وعلى الفهم تُبنى النظرات والنظريات ، نعم لذلك أسس خاصة حسب النص ، فالنص الديني له أدواته والنص الفلسفي له أدواته والنص التاريخي له أدواته وهكذا بقية النصوص ! فالإختلاف هنا ليس حقًا مطلقًا لكل أحد ، نعم؛ ليس حقًا لكل أحد أن يتكلم في كل مجال ومنحى وعلم باسم الحرية ، التي أصبحت مع اعتذاري للقارئ عنوان لكل عهر فكري - إن صح إطلاق فكري عليها - فالحرية ليست مطلقة في ظل وجود عقل وعقلاء ، بل هي حالة بهيميه ، نعم الكثير يكتبها ويرددها - أن الحرية محدودة - ولكنه في واقعه يحاول ممارسة حريته المطلقه ولو على مستوى الحديث والتنظير في كل شأن !! ولعمري هذا من شأن السفاهة والسفهاء لا الأحرار .

على ذلك فإن اختلافتنا كلها تنشأ من صراع الفهم السابق ذكره ، إما لتصدي من لا يملك أدوات الفهم للتفسير والرأي ، وهذه أم مصائبنا وجذر بلائنا ، الذي ينبغي أن يوضع له حد ، وإما لإختلاف أهل الإختصاص في الفهم ومثل هذا الإختلاف هو حالة صحية ، يتمكن من خلالها عوام الناس  - فلكل علم علماء يكون الناس عوامًا بالنسبة له - اتخاذ موقف وتشكيل رأي ،  باللجوء إلى عقولهم في تمييز كلام أهل الإختصاص ، ومن هنا تتكون اتجاهات العامة في كل شأن كما هو المفروض لا الواقع للأسف ، نعم الحقيقة واحدة ،  ولكن من يدعي ملكها واقعًا سوى المعصوم فقد افترى وخان علمه إن كان له علم ، اذًا الاختلاف واقع لابد أن نعيشه ولا يمكن رفعه ، وعليه لابد لنا أن نتعلم أدب الإختلاف وفنه ، وعمدة ذلك عدم محاولة فرض رأيك على الآراء أولًا ، وثانياً احترام الآخر والنأي حتى عن  التفكير بإقصاءه فضلاً عن محاولات الإقصاء والإلغاء اللاأخلاقيه ، هذا هو أدب وفن الإختلاف لا مجرد مصطلحات منمقه تحمل سمًا منقعًا في طياتها تسم الواقع الفكري ، فليست الشدة في الكلام قلة أدب وليس الأدب الكلام اللطيف في ظاهره ، وباطنه يحوي معاني الإقصاء والإلغاء للآخر . 

عاشوراء .. حدث تاريخي يحوي نصوصًا دينية وتاريخيه ، لعلمائنا وفقهائنا ومفكرينا آراء وآراء وآراء ، وقد اختلفوا في ذلك اختلاف المشرق عن المغرب في مواضع عدة ، وعلى هذا الإختلاف فُرزت الساحة وانقسمت الجماهير ، وأقولها بصراحة فإن هذه الجماهير اختلفت - في كثير من الاحيان - والمواضع بلا أدب وفن الإختلاف السالف ذكره  من محاولات فرض الرأي ومحاولات إلغاء الآخر ، وذلك بشحن الساحة بفتن تلو الأخرى في الموسم العاشورائي ، فكلٌ يريد ابراز فتوته وسيطرة نظرته ونظرياته على الساحة ، دون مراعاة صراع الفهم المفروض علينا واقعًا ، وبذلك كم صارت الساحة بعيدة عن الإمام الحسين (ع) وعاشوراء ، لن أخوض في تفاصيل اختلاف النظرات لعاشوراء لأن ذلك أصبح معلوم ومبحوث في مواضعه ، ولكن أصرخ هنا ارحمونا من التفريط ، بالتشكيكات بلا مستند عقلي ونقلي ، بل لمجرد استحسانات تسمى مجازًا عقليه ، وارحمونا من الإفراط بالمزايدات على الآخر ، ولنتوجه للحسين (ع) الذي نعرف ولندع للآخر ما يعرف ، فإن وضعت في عقلك أن الآخر يستحيل أن يحمل حقًا فقط ضللت ضلالًا بعيدًا !!

عاشوراء بين الثورة والمصيبة !! الشعائر الحسينية ومصاديقها !! تكليفنا في العشرة الأولى !! مواضيع المنبر والخطباء !! مظاهر إجابية أو سلبية هنا وهناك !! ..... وعناوين أخرى هي مثار جدل سنوي ينتهك الذكرى ،  وذلك لشراسة وعنفوان المختلفين في الإقصائية والإلغائية ، لن أناقش أي تفصيل لأي واحدة من هذه العناوين ،  فلكل منها له مباحث  ، ناقشها علمائنا ومفكرينا أهل البحث والمناقشة ، ( سأطرح بعض المصاديق فقط كمثال ولن أخوض في نقاشها في آخر المقال) ، وإذا أردنا استعراضها بانصاف سيطول بنا المقام ،  في عرضها وأدلتها ورد بعضها لبعضها ، ولست هنا لأكتب أن الحق هاهنا في هذه العناوين والمواضيع وألغي نظرك الآخرين ، فالجرح عميق غزير لعله قتل روحيه الكثير في الموسم ، واغتال اخلاصهم في أعمالهم ، إنما أنا هنا لأناشد وأصرخ في كل من ينسب نفسه للحسين (ع) - الحسينيين - فلـنَتعبّد في فهمنا وشعائرنا ، ولنحفظ حرمة الآخر الذي نختلف معه ، وإن أردنا نقد  السلبيات فذلك له مكانه وزمانه وخارج ذلك يؤدي لمفسده ، ولنضع دومًا في بالنا وخياراتنا أننا قد نكون مخطئين ، وأن الآخر قد يكون على حق ، وقد يرى  هذه السلبيات التي ننقدها ايجابيات !! والأهم من كل ذلك  مهما اختلفنا ، لنحفظ حرمة الموسم العزائي المقدس خصوصًا في ليلة الفاجعة ويومها بل وكل الموسم !! 

قبل أن أختم مقالي وكلامي الذي - يعلم الله جل جلاله إني أوجهه لنفسي أولًا ثم لجميع إخواني ، خصوصًا أن في مثل هذا الموسم تكون عواطفنا جياشه وغالبه على أحوالنا لطبيعة الموسم - أود أن أشير لأمثلة لأكون أكثر صراحةً وشفافية ، فليس المقام مقام الإشارة والتلميح ، فأجلى الأمثلة هي شعيرة التطبير ، والتي يتجدد الجدل حولها سنويًا  بلا جدوى - وبالتالي يبطل الكلام فيه لانتفاء الاثر كون المفروض أن الهدف من الحديث أمر بمعروف أو نهي عن منكر لكلا الطرفين - ولأن كل اتجاه يملك أدلته التي يقتنع فيها ، نعم لا بأس من النقاش بقيد العلم والفهم سواء من أهل التخصص أو الأخذ منهم ومراعاة الزمان والمكان ، أما التهريج الذي حول القضية إلى فريقين ،  ولكل منهما جماهير تصيح وتشجع على طريقة الأندية ، هذا التهريج مرفوض قطعًا ويقينًا ، فهو فضلًا عن انتهاك الموسم وقدسية المرتبطات به ، فهو إمعان في اهانة مراجع الدين العظام الذين اختلفوا - وهم أهل التخصص - في مثل هذه القضية ، فإن كنا مطبرين أو لاطمين أو باكين فليكن ذلك كله مخلصًا لله جل جلاله لا عنادًا على هذا وذاك !! ولنترك للآخو خياراته ونقول له بكل أريحيه : تقبل الله .... وهكذا بقية الموضوعات كالتي طرحت في موسمنا المنصرم (قضية توزيع البركة في الشوارع) التي حاول البعض فرض رأيه من خلال خلق جو معارض بطريقة لا أخلاقيه اتهمت الناس في تدينهم وحسينيتهم ، وركز على سلبيات مغفلًا أي ايجابيات ، وترك الآخر بلا اخلاص !!! وكذلك قضية (الممارسات السلبية) مثل الإختلاط في بعض الحسينيات ، فلابد من التوجيه بالتي هي أحسن في مثل هذه القضايا الحساسة ، لوقف هذه الظاهرة المزعجة جدًا دون انتهاك الآخر ، فالغلظة هنا أحيانًا توصل الناقد للطعن في الناس وأعراضهم وهذا ما لا يقبله شريف ! 

ختامًا أدعو الله عز وجل أن يتقبل منا موسمنا ويعوده علينا في سلامة من ديننا معزين لمولانا الحجة (عج) بجده الحسين (ع) . 



محمد حبيب المحميد
١٢ محرم ١٤٣٤
٢٧ / ١١ / ٢٠١٢ 

موقف العشق

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عندما يكون الإنسان حرًا فذاك أمر حسن ؛ ولكن أن تكون الحرية هواء يتنفسه ويختنق حين فقده فذاك هو الإنسان حقًا ؛ فالأول يُقيّد في لحظات إنما الثاني فلا يُمكن تقييده تحت أي ظرف ؛ حتى لو سجن وقيد بالأغلال يبقى هو الحر الذي يُقيد السجان وتلين الأغلال في يده كما يلين الحديد لداوود ؛ والتاريخ يحكي عن أولئك المساجين والمطمورين الذين اقضّوا مضاجع الجبابره والطواغيت وهم في سجِنِهم حتى قُتلوا أو شُردوا في الأرض دونما أي نتيجة في الإتجاه السالب في حرية أولئك ؛ لأن الحرية كانت حرية الروح لا حرية البدن التي لا تعني إلا عبودية تامه للروح ؛ وسجن لكل جميل !!


كانت تلك مقدمة كي نلج في موقف كربلائي بعمق بدل من الوقوف من بعيد ؛ موقف " الحر بن يزيد الرياحي " موقف العشق الذي قلب الإنسان من حالٍ إلى حال ؛ عله من السذاجة بمكان الإعتقاد أن ما حدث للحر تأثر لحظي وانقلاب مفاجئ دون خلفيات كان لها الدور الأبرز في نجاته في ذلك اليوم القيامتي ؛ يوم كان فيه الفرز بين جنة ونار لا أعراف في البين !! ولمعرفة خلفيات هذا الموقف الحر من هذا الإنسان لا نحتاج إلى البحث في كتب التاريخ ؛ والدخول في متاهات المؤرخين وتناقضاتهم ؛ بل يُكتفى بقول المعصوم (ع) بحقه : " أنت الحر كما سمّتكَ أمك " ؛ ويالها من شهادة لخصت الموقف كله ؛ نعم فلا يمكن لتأثر لحظي أن يقلب الأمر إلى عشق مفضي إلى الموت في سبيل المعشوق ؛ وشاهد على ما أقول هو موقف بشر الحافي مع إمامه (ع) كان السؤال الجوهري من الإمام الكاظم عليه السلام حين رأى عبودية بشر في سجن المادة : هل هو حر أم عبد؟ أجابت جارية لا تفقه قول الإمام : بل هو حر!! حينها رسم الإمام طريق الأحرار : لو كان عبدًا لخاف مولاه !! هنا كل الحرية التي بفعلها قلبت حال بشرٍ من لهو وطرب إلى بشر " الحافي " والزاهد العابد !!


نعود إلى كربلاء .. وإلى حُرها الذي أمعن النظر ! نعم أمعن النظر ليعرف في أين وإلى أين وحتمًا قبلها هو يعرف من أين ؛ أمعن النظر ولكن لماذا ؟! لأنه كاد يختنق حين أضاع فهم الحرية ؛ تمعن فعرف أنها تكمن في " التسليم " للمعصوم ؛ حريته كلها في موقف العشق الحسيني الذي أوصل من جعجع بآل محمد في الطريق إلى أن يكون شهيد عشق وحرية بين يدي سيد الشهداء ؛ نعم هنا العبد يكون حرًا بلا مفارقة ؛ ركب الحر السفينة الأسرع والأوسع ؛ وهذه نواميس الأحرار يصلون وإن تأخروا ولكنهم لا يُفوتون الوقت المناسب..


موقف الحر ليس موقف توبة ؛ بل التوبة نتيجة لموقف الحر ؛ فإن كان لابد من عِبرة هنا فهي ليس إمكانية الإنقلاب من حال إلى حال فهذا ما يدركه الوجدان بجلاء وتؤيده الشواهد التاريخية بوضوح ؛ والوجدان أدل من البرهان كما يُقال؛ ولكن العِبرة هنا في كيفية الإنقلاب من حال إلى حال ؛ من نار تنادي هل من مزيد أعدت للكافرين ؛ إلى جنة عرضها السماوات والأرض اعدت للمتقين !! الكيفية بعد كل ما سبق لا تحتاج إلى شرح سوى بضع جمل تلخص الأمر ؛ كُن حرًا في ذاتك وواقعك ؛ لتسلّم إلى الله الأمور ولمن شاء الله أن تُسلم لهم " وسلموا تسليما " حينها فقط ستكون ممن قال عنهم القرآن الكريم " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " ؛ وهنا فقط يمكنك أن تقف موقف العشق الذي عبر عنه الحر وأنصار الحسين في كربلاء حين تُستأنف كربلاء ونسمع الصيحة من بيت الله: ألا يا أهل العالم إن جدي الحسين قُتل عطشانًا !!


كم حصان طرواده ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


قصة حصان طروادة قصة شهيرة وردت في التراث الأدبي اليوناني وتحديداً في الإلياذة، وهي باختصار شديد تتحدث عن حصار مدينة طروادة من قبل الإغريق بسبب خلاف نشب بين الإسبرطيين ومدينة طروادة، واستمر ذلك الحصار لأعوام إلى أن دب اليأس في نفوس جند الإغريق، فابتكر أحدهم حيلة الحصان الخشبي كهدية إلى الآلهة وانسحب الإغريقيون إلى البحر، ففرح أهل طروادة بذلك وجروا الحصان بمظاهر احتفالية إلى داخل المدينة، إلا أن الحصان هذا كان بتعبيرنا اليوم مفخخاً، إذ كان مليئاً بجند الإغريق الذين ما إن نامت أعين أهل طروادة، قاموا لفتح بوابة المدينة لبقية الإغريقيون وتم حرق مدينة طروادة وقتل أهلها، وانتصر الإغريقيون بهذه الحيلة.

هذه القصة يعتبرها بعض المؤرخون إسطورة لم تحدث إنما وضعت كحكمة يُستفاد منها، وهذا هي حال التراث الأدبي والفلسفي اليوناني، وعلى قدم هذه الحادثة أو الإسطورة إلا أن الحيلة المستخدمة فيها ما زالت فعالة بشكل مذهل إلى يومنا الحاضر، إذ تستخدم في الميادين السياسية بين الدول في الساحة الدولية، وفي الدولة نفسها أيضاً، ولكن طبيعة الدولة تحوي فئات عديدة، وكل فئة في حاجة إلى حصان طروادة مطلي بلون تعشقه تلك الفئة، وليست الكويت استثناء من ذلك.

تقسيمات المجتمع الكويتي يعرفها الجميع ولا حاجة لسردها، لأن سردها أصبح يثير في الجميع حالة من الاشمئزاز، ولكن ليس من تلك الفئات إنما تلك الحالة ناتجة عن الاستغلال البشع لهذه التقسيمات في بث الفتنة وتأليب كل فئة على أخرى، فليس عيباً أن يكون المجتمع مكونا من فئات عدة لأن طبيعة البشر هي الاختلاف، ولكن العيب هو تحويل الاختلاف هذا إلى خلاف وشقاق من خلال استغلال الاختلافات تلك، وصرف الأنظار عن المشتركات، وتلك الحالة أصبحت مشخصة من قبل الجميع وعلاجها أصبح متوافراً ومعروفاً.

السؤال هنا كم حصان طروادة أدخل على هذه الفئات؟! ففي الانتخابات البرلمانية صار لكل فئة حصان وإذا استعصى الأمر فكان هناك أكثر من حصان، وليس شرطاً أن يكون هذا الحصان ترهيبياً بل ابتكرت السياسة الكويتية حصان طروادة ترغيبي بكل الوسائل المشروعة واللا مشروعة، وبعد قانون المطبوعات الجديد أيضاً تم توزيع حصان طروادة على كل الفئات بأشكال زاهية تبهر الناظرين، وكلها تصب في خانة واحدة وفي جهة واحدة، وهكذا في المجالات كلها.

هذه الحالة سلبت الساحة السياسية الكويتية العمل السياسي الراشد، وسلبت البرلمان دوره المنشود في الرقابة والتشريع، وحولت الصحافة إلى مكتب محاماة يفزع في حال تعرض صاحب الاسطبل إلى انتقاد أو هجوم، فصارت الحياة السياسية والبرلمانية حياة رتيبة يعرف الجميع بدايتها ونهايتها، لذا أصبح الإصلاح الجذري الشامل ضرورة ملحة لترشيد العمل السياسي في الكويت من خلال وضع الكويت على مسار استراتيجي شامل تعمل من خلاله الحكومة، ويراقب المجلس هذا العمل، ويشرع من خلالها النواب.

وهل المهدي إلا الحب ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عندما سئل عن الحب : " وهل الدين إلا الحب" ، نعم هو كذلك خصوص إذا ما تأملنا أهداف وتعاليم الإسلام وقارناها بفعال رجال الإسلام المخلصين ، لعرفنا أنهم تطبيقا حقيقيا للآية الكريمة في سورة الفتح إذ يقول الله جل جلاله : " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانً " فهذا الدين هو دين الحب والعشق الإلهي ، فحتى الهدف الذي رسمته الآية للمؤمنين هو فضل ورضوان الله لا الطمع في الجنة والخوف من النار إذ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : " إلهي ماعبدتك خوفاً من نارك ، ولاطمعاً في جنتك ، لكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك " .

إن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا مصداقا لهذه الآية الكريمة والتي وردت بمعناها في التوراة والإنجيل ، إذ هم مصاديق الرحمة الإلهية على البشرية في كل تحركاتهم ، ولعل التاريخ زاخر في سرد قصص الآل في تعاملهم مع الفقراء والمساكين ، وكذلك مع الآخر من أهل الكتاب وغيرهم ، وكذلك حينما تولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الأمة كيف كان تعامله مع الرعية وهو القائل في عهده لمالك الأشتر النخعي (رضوان الله تعالى عليه) " وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم " وعهده لمالك الأشتر هو الوثيقة الإنسانية الأسمى للحكم الصالح بما تحويه من مبادئ إنسانية تتوافق ومنهج الرحمة والمحبة الإسلامي .

وبالتركيز على اسلوبهم الدعوي فقد كان عمليا قبل أن يكون بالكلام ، فهم النموذج الأسمى للإسلام كما نزل على صدر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالإنسان القدوة لا يكون بالكلام فقط ، فكلامهم مقرون بالفعل بل ويكون دعوة للإقتداء بالفعل ، أي أن كل ما نطق به الآل الكرام ترجموه فعالا ، إذ يمقت الله اختلاف القول عن الفعل إذ قال جل جلاله في سوره الصف : " كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ " ، وقد قيل في الشعر " لا تنه عن خلق وتأت بمثله .. عار عليك إذا فعلت عظيم " .

أما في الحوار فهم – أي آل البيت (عليهم السلام) – ترجمة للآية الكريمة في سورة النحل : " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " ، فالتاريخ يروي مناظراتهم مع مخالفيهم من شتى الأديان والمذاهب ، فلم نجد يوما أن إماما منهم قسى في حواره مع الآخر أو عرّض فيهم ، إنما كانت مناظراتهم وحواراتهم كلها حوارات عقلانية تتسم بالحجة والبرهان ، وكانت تلك الحوارات هدفية من باب رحمتهم ورأفتهم بعباد الرحمن .

نستنتج من كل ما سبق أن العنف لا محل له في فكر آل البيت (عليهم السلام) ، إلا حينما يتعلق الأمر بالدفاع بشتى أنواعه (دفاع عن : المبدأ والنفس والعرض والمال) ، ويكون هو آخر الدواء لا أوله ، كما حدث مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كانت حروبه كلها دفاعية لا ابتدائية وكانت آخر الدواء والعلاج بعد أن نفذت الأساليب كلها مع القوم المشركين ، وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي اضطر إلى الحرب حتى أنه كان يكره أن يبدأ القوم بالقتال إلى أن منعوا الماء ، فرجح عليه السلام التفاوض معهم ، إلا أنهم أبوا حينها قال مقولته التاريخية " الموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين " وهنا حارب وسيطر على الماء ولم يمنعه عن من منعه عنه ، وكذلك أبو الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء وهو محاصر مع أهل بيته وأصحابه كره أن يبدأ القوم بالقتال إلى أن أتت السهام إلى مضاربه فقام للدفاع ، بعد عدة أساليب لهداية القوم إلى أن بكى سيد الشهداء على أعداءه لأن مصيرهم جهنم ، فهذا هو منهج الحب والرحمة .

يقول الله جل جلاله في سورة القصص " وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ " ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه يأتم به وبأئمة الهدى من قبله وتبرأ إلى الله عز وجل من عدوّهم. " ، المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بقية الله وسليل العترة المحمدية ، هل سيكون استثناء مما سبق ذكره ؟! فكثيرا ما نسمع الترهيب والحروب حينما يذكر اسمه ومرحلته ، ولكن قبل أن نجيب على هذا السؤال لابد من النظر في مسألة مهمة جدا وردت في الحديث الشريف الآنف الذكر إذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بشر المؤمنين به قبل قيامة بالخير ، نعم المطلوب هو ذاك شحذ الهمم لظهوره من خلال التمهيد لذلك عمليا ، فالإنسان المؤمن لابد أن يكون واعيا لدينه ملتزما تعاليمه نافعا في مجتمعه مشاركا أمته منتظرا المخلص الذي سيمن الله به على المستضعفين .

نعود الآن إلى التساءل المهم وهو هل سيكون الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) استثناء مما سبق ذكره في المقال ؟! نعم المرحلة المهدوية هي مرحلة استثنائية لا في الإسلام فقط ولا في تاريخ العترة الطاهرة فقط بل هي مرحلة استثنائية في تاريخ البشرية والمعمورة ، وهذه المرحلة الإستثنائية تتطلب تحركا استثنائيا إلا أن التحرك الإستثنائي هل يتطلب الخروج عن المبادئ والقواعد الأساسية ؟! تتنوع الأساليب ولكن المنطلق واحد والهدف هو أن تكون " كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا " ، فالإستثناء في مرحلة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) ليس استثناء من القواعد الأساسية التي تحرك على إثرها آباءه الطاهرون (عليهم السلام) ، فقد اختلفت الظروف الموضوعية في عصور آل البيت (عليهم السلام) فتنوعت أساليبهم في مواجهة تلك العصور ، إلا أن القاسم المشترك هو القواعد الأساسية أي ما يصطلح عليه اليوم (الأيدلوجية) أو الفكر ، وكذلك الهدف الأسمى .

ومن هنا نتساءل أين الأمة من ذكر عبادة المهدي (عجل الله تعالى فرجه) ، أين هم من ذكر رحمته ورأفته بالمؤمنين إذ أنه يشكل الأمل لهم ، أين هم من ذكر ما ورد من محاولاته لهداية العالمين إلى أن ينزل السيد المسيح (عليه السلام) ليشكل التكامل مع صاحب العصر والزمان في الدعوة إلى الله فتتكامل الأمة الإلهية في أن يهدي السيد المسيح (عليه السلام) أمته إلى الصواب والقسط في الأرض ، نعم ستكون هنالك المعركة الخاتمة التي ستفصل بين الحق والباطل ، وترجح كفة الحق ويتحقق الوعد الإلهي ، إلا أن هذه المعركة الحاسمة هدفها هو رحمة للعالمين ، فالمستشهدين بين يديه – وطوبى لهم – حتما سيفوزون فوزا عظيما ، والمنتصرين معه سيشهدون دولة الحق ، إذ أن النفوس تواقه إلى بسط القسط والعدل في المعمورة ، بعد هذا كله (هل المهدي إلا الحب؟!) .

البوابة الصحيحة

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الغاية الواحدة دوماً تكون لها وسائل عدة لتحقيقها، وطرق عدة لسلكها، وأبواب عدة لطرقها، ولكن لابد لاحدى هذه الوسائل والطرق والبوابات أن تكون الأصح والأسلم، اذ لا تكون الغاية يوماً تبرر الوسيلة، وليس شرطا أن يكون الطريق الأقصر هو المنشود، والبوابة الصحيحة هي التي تفتح الآفاق البعيدة المدى وتمكن الانسان من النظرة الشمولية للأمور.

الاصلاح السياسي في الكويت، غاية منشودة بإلحاح اليوم، وقد تناولها الساسة والأكاديميون بالبحث والتحليل، سعياً لايجاد مخرج من الأزمات المتكررة التي باتت البلاد تعاني منها، فقد بات الخلل مشخصاً ولكن نحتاج الى دواء فعال ذي نتائج ملموسة، فلم تعد تكفي الاسعافات الأولية والتضميد المتكرر بل أضحى الأمر بحاجة الى جراحة عميقة تنزع الخلل من جذوره.

ان الاصلاح السياسي يحتاج اليوم الى تلك النظرة الشمولية، وذلك الطريق السليم، وتلك الوسائل الناجعة، فالبوابة الصحيحة للاصلاح ضبط كاملالسياسي اليوم وضع الكويت على مسار استراتيجي واضح، تعمل على أساسه السلطة التنفيذية، وتراقبه السلطة التشريعية وتشرع من خلاله، لوضع حد للتخبط الحاصل في مسيرة الحكومات وخططها الخمسية، ولجم الشخصانية والانتهازية في العمل النيابي اليوم.

ان هذه البوابة في الاصلاح السياسي شمولية بحيث تكمن خلفها حلول مجمل ما تعاني منه البلاد، فالنظرة الاستراتيجية نظرة شمولية بعيدة المدى ترمق الغاية الأساس فتكون الجهود موجهة لها، والمصاعب تذلل لها والعمل يسير نحوها، ومن خلال الأدوات الاستراتيجية يتم تقييم وتقويم هذا المسار في محطات عدة، لتكون للحكومة نظرة مستقبلية حول ماهية الكويت بعد عشرين عاماً، بل السؤال الأهم ما الذي نسعى أن تكون عليه الكويت في ذلك العام؟

حين يتم ذلك ستكون موضوعات الاصلاح السياسي التقليدية مجرد جزئيات ضمن منظومة كاملة تشكل نظرة لكويت الغد، فحين يكون العمل استراتيجياً يكون عملاً هدفياً، وحينما يكون العمل هدفياً تتوجه كل الموضوعات، والطاقات البشرية، والمادية، والمعنوية الى ذاك الهدف، وبالتالي يسهل معرفة البداية والنهاية والمسار لكل العمليات بما فيها عمليات الاصلاح السياسي.

للأسف الشديد ما زال البرلمان الكويتي يطرح المشاكل ذاتها منذ تأسيسه الى حاضرنا، ومن المتوقع أن يمتد الى المستقبل ان لم يعالج الوضع السياسي معالجة شاملة صحيحة، فقد حان الوقت ليكون لصناع الرأي المتخصصين في هذا البلد صوت مؤسسي مسموع عند صناع القرار، وحان الوقت لنخرج من الحياة الآنية الى التفكير المستقبلي في مصير هذا البلد وأبنائه، لحسن أداء الأمانة للأجيال القادمة.


المقال في جريدة الراي