التسليم .. سر ملحمة الخلود


العقل سيد المخلوقات ، شرف الله به بني آدم ، وجعله الميزان في حركة الإنسان ، وقد ورد في البحار عن الإمام الصادق (عليه السلام) : " لما خلق الله العقل ، قال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ، بك آخذ ، وبك أعطي ، وعليك أثيب" ، بهذا العقل عُبد الرحمن ، واكتسبت الجنان ، وصار الإنسان إنسان ، شرط أن يوضع في موضعه كي لا يضيع بين إفراط يسرف فيه وتفريط يعطله ، وكمال هذا العقل هو التسليم لما هو مسلَّم بلا حرج ، ولذا نجده في الرواية المذكورة مسلّمٌ لأمر الله في الإقبال والإدبار ، حيث أنه مقر له بالعبودية شاكرًا بالطاعة ، بعد اليقين بأن لا إله إلا الله . 
التسليم وهو الحركة الناتجة عن الإقرار والإذعان العقلي لليقينيات ، على النقيض من التقليد ، وحتمًا ليس المقصود من التقليد هو رجوع الجاهل إلى العالم ، تلك السنة العقلية والشرعية ، وإنما التقليد المقصود هو الإتباع دون علم وعقل ، وهي الظاهرة التي ذمها القرآن ورفضها العقل ، والفارق الجوهري بين التسليم والتقليد ، هو أن صاحب الأول ذو حجة وبرهان ويقين في انقياده ، أما صاحب الثاني فحجته هي عمله وانقياده ، وفي كتاب الله العزيز كانت المواجهة دومًا بين خط التسليم المتمثل بالأنبياء والأولياء ، وبين خط التقليد المتمثل بالمستكبرين ، " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ، أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ" ،  إبراهيم يحاجج بالعقل ، والقوم يردون بالتقليد .
قال الله في كتابه العزيز " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا " ، فالإيمان إذًا رهينة التسليم ، والتسليم كمال العقل ، فالمؤمن حق المؤمن هو العاقل ، الذي أدرك ربه ، وسار في خط رسله وأنبياءه وأولياءه ، بعد أن استثاروا دفائن عقله ، فلا يجد بعدها حرجًا في الإذعان حتى فيما لا تُدرك حكمته العقول ، التي كان كمال تسليمها معرفتها بحدودها وآفاقها ، فهي مؤمنة بالغيب كما هي مؤمنة بالشهود ، لذلك حكى القرآن عن المؤمنين تصديقهم لوعد الله في أحلك المواقف " وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا" .
ومن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأحزاب ، إلى أصحاب الحسين (عليه السلام) في كربلاء ، فكربلاء كما أبدع أحد العلماء هي سرية من سرايا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)  كلّف بها الحسين (عليه السلام) ، والنظر فيها لابد أن ينقلنا من الدمعة إلى الغاية ، ومن البطولة إلى التأسي ، لنكون معهم فنفوز فوزًا عظيما ، فعاشوراء هي ملحمة الخلود ، يجد فيها الطفل طفولته ، والفتى فتوته ، والرجل رجولته ، وكانت المرأة فيها زينب (عليها السلام) ، والإنسان إذا كان يبحث له عن دور تمهيدي مهدوي ، فليعبر جسر كربلاء بقراءة واعية لأبطاله في سيرتهم الكاملة ما قبل عاشوراء ، لينال ما نالوا في عاشوراء ، ودراسة ذلك جديرة وتحتاج إلى مقام موسع وبحث معمق .
من خطبة لسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) حين عزم الخروج إلى العراق قال : " وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء ، فيملآن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين" ، كانت هذه الخطبة وغيرها من كلمات سيد الشهداء التي تنضح بالتسليم لله فيما قضاه ، قد أجْلَت منذ بداية المسير إلى الشهادة عن المسار والمصير والغاية ، فلذا كانت الكوكبة في عاشوراء مضرب المثل في التسليم لله ولوليه تبعًا لإمامهم ، ونقتفي في ذلك بعض الكلمات وبعض التضحيات .
ولعلنا نقتصر على بعض النماذج لضيق المقام ، بعد أن صدرناها بسيدهم الإمام الحسين (عليه السلام) ، لننتقل إلى عقيلة الطالبيين زينب الكبرى (عليها السلام) التي كشفت عن تسليمها لله حين رفعت ذلك الجثمان بذاك الحال الذي ضجت له أملاك السماء فقالت وهي العالمة غير المعلمة "اللهم تقبل منا هذا القربان" ، وبهذا العزم قادت النهضة الحسينية بعد الشهادة ، ومن موقف الحوراء إلى الكفيل أبا الفضل العباس (عليه السلام) الذي شهد له الإمام في الزيارة بأنه "العبد الصالح المطيع لله ولرسوله" ، ومن يشهد له حجة الله لا حاجة لأن نبحث في سيرته ، إلا لتتزود أنفسنا من معينه ، ويكفينا في المقام أن نتأمل العباس (عليه السلام) سيد الغيرة ، وهو يرى تلك الأهوال النازلة ، ويسمع صياح الأطفال العطشى ، وبكاء النساء الثكلى ، ويقرع سمعه استغاثات ولي الله ، وهو غير مأذون له بالقتال ، فيصبر بصبر لا يكون إلا لمن كان قلبه مسلمًا لله تعالى ولرسوله ، وله أسوة في ذلك بأبيه الوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) وصبره وتسليمه في مأساة الزهراء (عليها السلام) ، لذلك نرى استئذانه من سيد الشهداء (عليه السلام) بكلماتٍ تتشظى لهبًا مناديًا : " قد ضاق صدري ، وسئمت من الحياة ، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين ".
وفي قولةِ علي الأكبر (عليه السلام) لأبيه الحسين (عليه السلام) : "ما دمنا على الحق فو الله لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا " آية من آيات التسليم لشاب نافذ البصيرة ، سلّم للحق تسليما وأرخص له النفس والنفيس ، وكذلك ابن عمه القاسم (عليه السلام) ابن السبط الزكي المجتبى (عليه السلام) الذي يرى الموت بين يدي عمه الحسين (عليه السلام) أحلى من العسل ، وهو الذي لم يبلغ الحلم عمرًا ، وبلغ الرشد عقلًا بالتسليم لحجة الله ، كيف لا وهو بن العقل المتجسد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)   ، هذه نماذج مما كان من أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ، أما من الأصحاب الذين هم خير الأصحاب بشهادة ولي الله سيد الشهداء (عليهم السلام) فقد اقتبسوا من الشمس شعاعًا ، فتفانوا تسليمًا بالقول والعمل ، حتى حين أرخصهم سيد الشهداء (عليه السلام) في جنح الظلام ، كان التسليم قد روى صدورهم ، حتى تمنوا الموت والتقطيع ألف مرة دون ولي الله ، حتى لو كانت الحياة فانية فكيف وهي باقية ، هكذا العقل حين يكمل ، وهكذا  كربلاء والكربلائيون ، ملاحم التسليم التي قادت للتضحية ، وهكذا يكون الإنسان كربلائيًا في كل حين ، يسلم أمره لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) بلا حرج ، فيكون ممهدًا ومهدويًا.


المقال مشاركة في مجلة الطف الإلكترونية
لتحميل المجلة على الرابط التالي :

في محرم لسنا بحاجة!

في محرم .. لسنا بحاجة! 

محرم وفي عشرة الحسين الأولى من هذا الشهر الدامي ، باب عطاءٍ لا ينفد على الإنسان ، هي استجابة "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" ، فقد جمعت كربلاء بمصيبتها وثورتها خير الدنيا والآخرة ، لذلك لم ترَ زينب (عليها السلام) كل ذلك إلا جميلاً ، ومع الأزمان تكبر كربلاء في النفوس إلى يوم العدل الإلهي على يد المنصور المؤيد من آل محمد ، وليكون هذا الموسم معطاءً على الأرواح ينبغي أن تكون صافية من الكدورات ، لذلك في محرم لسنا بحاجة ...

لسنا بحاجة إلى المزايدة على حب الحسين (عليه السلام) فلا يزايد على الناس إلا الناقص ، ففي حدود شرع الله كلٌ يبرز حبه كما يشاء ، لتُرسم لوحة العزاء بكل ألوانه..

لسنا بحاجة إلى الجدل والمراء في مصاديق الشعائر ، بل بحاجة إلى ذلك الحزن الذي يكون قنطرة إلى الفكر والنهضة ، لذا فليتعبد كلٌ بتكليفه الشرعي وليعلم أن كربلاء تسع كل حسيني..

لسنا بحاجة للتشبه بالبهائم لابراز العلقة بين المؤمن والحسين (عليه السلام) ، فالمؤمن عزيز بالحسين وآل الحسين (عليهم السلام) ، ومن نهضته يتعلم المرء كيف يكون "إنسان" يصدح بـ "هيهات منا الذلة"..

لسنا بحاجة لإجترار قضايا المقارنة العقدية والكلامية على المنابر ، فحركة الفكر اليوم بحاجة إلى تنظير أصيل يبحث في المُغيّب من كنوز تراث آل محمد ، ليُعرض العرض الحسن الذي يرتضيه جعفر بن محمد (عليه السلام)..

لسنا بحاجة إلى التراشق المنبري وتبعًا له التراشق في مواقع التواصل الإجتماعي في اختلاف الأفهام والنظرات ، لأنه لا يتوفر على شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل هو منكرٌ ينبغي تركه والنهي عنه.. 

لسنا بحاجة لتأدية فلكلور فقط في الحضور والمحاضرة ، بل بحاجة إلى التجديد في الإسلوب والطرح بما يتناسب والزمان والمكان ، للخروج بمنبر حدد شرطيه الإمام السجاد (عليه السلام) : "لله فيه رضا وللناس فيه صلاح"..

لسنا بحاجة للتركيز على الوسائل الراكزة في أذهان الناس وستبقى بإذن الله ، ولكننا بحاجة أن لا تُحال إلى غايات حين تُفرّغ من مضامينها ، فشعائر الحسين (عليه السلام) علامات داله على نهضته ، وإحياء النهضة الحسينية إحياء للإسلام..

لسنا بحاجة إلى الحديث عن الأخلاق دون أن يتمثل ذلك بوضوح في سلوك الحسيني الغيور في كل موقف ، ولنعلم أن الدعاة الصامتين خير الدعاة إلى الله تعالى..

لسنا بحاجة إلى استفزاز الآخر المخالف في الموقف والكلمة ، إنما نحن مأمورين بالعرض الحسن الجاذب للعترة الطاهرة ، وكلهم وكل أمرهم حسن..

لسنا بحاجة لنقل وقائع المآتم والعزاء على الفضائيات فتلك أمور مخصوصة لأهلها ، ولابد من وجود رؤية مدروسة لما يُبث على الفضائيات الإسلامية ، لتحصيل الأثر الإيجابي من عرض تراث آل محمد (صلى الله عليه وآله)..

لسنا بحاجة إلى طرح الكرامات دون معرفة مرامي صاحب الكرامات ، فأهل اليقين لا تزيدهم الكرامة يقينًا ، ولابد أن يقف نخبة الخطباء وقفةً تجاه ما يبث من زيف في بعض الأحيان باسم الكرامة والمقامات..

 لسنا بحاجة إلى التباري في الحضور والمنابر والخطباء ، ولابد أن نعي تكامل الإختلاف في مناهج الطرح المنبري ، ليختار الجمهور المختلف بطبيعته عن حاجته من هذه المنابر المختلفة.. 

لسنا بحاجة إلى ظواهر لا تقبلها ثقافة عاشوراء ، فالمواكب التي توزع البركة من شأن الشبان لا الفتيات ، والفصل ما بين عزاء النساء والرجال أولى ، وكل فرد له دور لا يتعداه ، فهذا هو جمال الدين وجمال عاشوراء..


نحن بحاجة أن نفهم "حسين مني وأنا من حسين" لنقتفي إثر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة (عليهم السلام) بالوسائل والغايات ..

أمي تعلمني!


الغايات الرفيعة لا تُنال إلا بالكدح لله جل جلاله ، فهو غاية الغايات والهدف في كل عمل المؤمنين ، ونيل رضوانه هو الفوز الذي لا فوز بعده ، أما السبيل إلى ذلك هم عترة محمد بن عبد الله النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، باعتبارهم حجج الله تعالى على الخلق فيما قالوا وفعلوا ، وبذلك كانوا القدوة والأسوة العملية في حياة الفرد والمجتمع ، للوصول لغايات الكدح والعمل ، نعم هم موجودات ملكوتية لا تنال مقاماتها الحقيقية أفهام ذوي الألباب ، إلا أنهم في حياتهم البشرية مثل أعلى لكل سائر الى الله .

لكل معصوم منهم محطات يُستسقى منها ما يروي ظمأ البشرية ، فكانت فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين (عليها السلام) قطب تدور حوله أفلاك الصالحات ، وهذا ما شاهدته عيانًا في حياة المرحومة بإذن الله تعالى والدتي الحاجة خديجة كاظم عبد الحسين ، اذ ارتبطت بالسيدة الزهراء (عليها السلام) وبعزيزتها أم البنين (عليها السلام) ، ارتباطًا يلتمس القدوة والأسوة لتمارس دورها في الحياة كإمرأة مؤمنة تبتغي وجه الله فيما تقول وتفعل ، هذا الإرتباط الذي جعلها تعيش مأساة الزهراء (عليها السلام) ومصابها ، ذارفة دموعها من قلب يشتعل حزنًا على ما جرى عليها في سبيل الله ، وكذلك شأنها مع أم البنين (عليها السلام) فيما عاشت من مصائب ورزايا ، حتى رحلت والدتي العزيزة وهي تندب الزهراء وعزيزتها (عليهما السلام) .

شهادة لله تعالى أشهدها بحق والدتي ويشاطرني في هذه الشهادة إخوتي وأخواتي؛ شهادة سنيني الخمس والعشرون التي عشتها معها ، أنها كما نقول "كفت ووفت" في تربيتها لنا وتعليمنا واعدادنا لكل خير ، وكذلك أنقل شهادة والدي العزيز الحاج "زهير عبد الهادي المحميد" في حقها إذ قال "لم أرَ من هذه الطاهرة أي أذى في حياتي" حتى أطلق عليها لقب "أم الخير" ، ولا أنسى شهادة جدي الحاج "كاظم عبد الحسين" والدها حين كان يردد "ما قثتني في حياتها ولا بكلمة" ، وكان هذا درسًا عمليًا لنا كأبناء أن نكون كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : "خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتمْ بعدها بَكَوْا عَلَيْكُمْ وَ إِنْ عِشتمْ حَنوا إِلَيْكُمْ " .

في حياتها علمتني الكثير سواء قولًا وفعلًا ، لعل أبرزه الإرتباط بالله عز وجل في كل الحالات ، فكانت لا تنفك عن عباداتها ومحرابها إلا لعبادة أخرى في رعاية أسرتها وتنشأتها على هذا الإرتباط ، ولم تنسَ نصيب مجتمعها إذ كانت مربية ومعلمة للفتيات في الدورات الإسلامية ، دورات لتعليم القرآن ونشر معارف الدين وإحياء شعائر الحسين (عليه السلام) ، حتى نشأ جيل من الفتيات على يديها لم ولن ينساها كما يُنقل لنا من أهلنا؛ مشاهد وفاء ممن تربى على يديها في حضور عزائها ، ورثائها كمعلمة ومربية لهن ، وكان من لوازم ارتباطها بالله صفات يعرفها عنها كل من عرفها ، من عفة وحياء وعزة نفس وكرامة ، وسمو على الجراحات بقلب يسامح ويصافح الجميع ، حتى وصف أخوها الأكبر الخال الحاج "حسين كاظم" قلبها أنه "أبيض يمحي كل سوء" .

ورد عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال "الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ ، َحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ" هذه الحكمة لسيد الحكمة كانت من أبرز ما علمتنيه أمي رحمها الله ، ففي أوج بلائها ومرضها كانت متبسمة في وجوه أحبابها ، تمارس حياتها بكل تفاصيلها من رعاية لأسرتها ، بقلب مطمئن بأن ما أصابها بعين الله تعالى ، كانت تخفي الكثير من معاناتها ومرضها عنا كأبنائها ، كي لا نتألم ، وأخفت كذلك عن والديها آلامها؛ التي كانت تهونها عليهم دومًا بابتسامتها وبكلمة "أنا بخير ، الحمد لله" ، حنان وعطف ورعاية تعلوها ابتسامة ، رغم البلاء والآلام والمرض ، يعني ذلك أنها صابرة وشاكرة وراضية ، وبذلك علمتني عمليًا كل ذلك .

"وكانت في حياتكَ لي عظاتٌ .. وأنت اليوم أوعظ منك حيًا" ، أستعير قول الشاعر هذا لأبين ما تعلمته من رحيلها إلى رضوان الله تعالى وجنانه ، فسنيني معها لم تكن كافية لأتعلم منها كل ما أرادت ، فعلمتني برحيلها الكثير ، فبعد رحيلها رأيت سنة الله تعالى فيمن يكتم صدقته ، إذ عرفنا بعد رحيلها أنها كانت ترعى أيتام وأرامل المسلمين في شتى البلدان ، فجزاها الله بأن صار الصالحين والصالحات يتسابقون في عمل الخير باسمها ولروحها الطيبة ، ورأيت سنة الله تعالى فيمن يكتم بلاءه صابرًا وشاكرًا ، حتى دعا لها القريب والغريب من علماء ومؤمنين ومؤمنات ، ووصلتني الرسائل من شتى البقاع المقدسة من العلماء والأصدقاء ، أنهم لم ينسوها من الدعاء والصلاة عند ساداتها وسادات الخلق أجمعين ، خصوصًا أن الله تعالى اختارها إلى جواره في يوم عرفة المبارك ، والناس منشغلة بعبادتها ، فأشرك الله تعالى والدتي في دعائهم وعبادتهم ، جزاءً لصبرها وشكرها ، وجزاء الآخرة عند الله تعالى أكبر .

نعم!.. ما زالت أمي تعلمني ، ولم ولن يهون علي ألم فراقها إلا ما تعلمته من صبرها وشكرها ورضاها بقضاء الله تعالى ، ولن أنساها ما حييت في كل صالح ، أسأل الله تعالى أن أكون لها صدقة جارية ، والحمد لله أولا وأخيرًا ، رحم الله من قرأ الفاتحة على روحها الطيبة.

ليلة في منزل قمي!


(مشاهدات وملاحظات)

الصديق الرفيق أحمد حيدر مع الحاج بوحسين في منزله بقم



- أهل قم!
كان القرار في هذا الصيف؛ أن تكون جولتنا في بعض مدن الجمهورية الإسلامية إيران ، ابتداءً من العاصمة (طهران) ، وبعدها انتقلنا الى شمال إيران (كلاردشت) ، حيث ابداع الخالق في رسم لوحة الطبيعة الخلابة ، ومن ثم الى (قم) عُش آل محمد {ص} ، وحرم آل البيت {ع} ، وهي موضع الحديث هنا ، إذ يتميز أهلها بطيبة واضحة ، يلمسها من يتماس مع اهلها الأصيلين ، أهلها أهل فطرة وبساطة وأخلاق وتدين ، مثل الحاج رضا (أبوحسين) .. الذي كان معنا في أغلب جولاتنا في هذه المدينة الطيبة ، (أبوحسين) يتكلم العربية بركاكة ، ولكنه يتكلفها ليكون في خدمة (زوار المعصومة) كما يقول ، هذا النموذج القمي يختصر الكثير مما أود أن أقوله عن أهل (قم)!

- ليلة الورطة!
كان القرار أن نغادر (قم) عن طريق القطار الى مشهد الإمام الرضا (ع) ، وكما المعتاد اقلّنا (أبوحسين) في سيارته الصغيرة الى محطة القطار ، وجرت مراسيم التوديع وتبادل الأرقام ، وغادرنا (أبوحسين) لشأنه ، وحان موعد ركوب القطار ، إلا أن خللًا ما في حجزنا منعنا من السفر - يطول المقام بلا فائدة في شرح الخلل - فلم يخطر على بالنا غير (أبوحسين) لنتصل عليه ، وبعد ربع ساعة وجدناه أمامنا ، ولكن ما الذي يمكن يفعله قمي فقير لنا ،  في الحقيقة الكثير الكثير نسبةً الى امكاناته ، اذ أصر علينا أن لا نبيت ليلتنا الا في بيته ، مرددًا كلمة (أبد) أمام اصرارنا على حجز ليلة اضافية في فندق  ، وبالفعل بتنا ليلة في منزل قمي!

- الحسين {ع} جمعنا!
(أبوحسين) عاشق للحسين {ع} بفطرة طاهرة ، حديثه الدائم عن كربلاء وزيارته لها واشتياقه الدائم اليها .. مراثي الحسين {ع} دائمًا تعلو من سيارته باللغة العربية والفارسية ، وحينما استضافنا ببيته التلفاز ينتقل من مرثية لأخرى من تسجيله لها ، وكان يقف ابنه امامها ويردد معها ويلطم صدره .. هذه المشاهدات وهذه المناظر سجلت ببالي ملاحظة لطيفة .. أنا العربي ما الذي يجمعني بهذا الفارسي سوى آل محمد!! إلى أن نطقها (أبوحسين) ، أنتم زوار المعصومة {ع} لابد من خدمتكم كما يخدمنا أهل كربلاء حين نكون في زيارة الحسين {ع} .. نعم!.. الحسين {ع} هو البوتقة التي انصهرت فيها كل الحضارات والثقافات!

- كرم الضنك!
دخلنا دار القمي الطيب .. بسيطة كبساطة صاحبها ، مريحة للنفس بصفاء نفوس أهلها ، دار لم تعرف للفخامة المادية أي مظهر ، الا أنها جمعت أناس تسابقوا على كرم الضيافة ، فحين دخولنا بادرت والدته وأهله الى صنع طعام العشاء ، وجاء اخوته للسلام والتحية علينا ، ودارت بعض القفشات والحوارات التي أزاحت عن نفوسنا هم الورطة التي وقعنا فيها مع القطار .. وهنا ينبغي أن نُسجل ملاحظة مهمة؛ "الكرم" لا يرتبط بالغنى أبدًا ، بل هو سجية النفوس الطيبة!  

- النفوس سعيدة!
الخصال الحميدة سلسلة تعضد كل حلقة الأخرى لتوصل إلى "السعادة" فلا يكون الفقير "كريمًا" الا حين يعيش "القناعة" بما يرزقه الله؛ والقناعة نتيجة حسن الظن بالله والرضا بقدره الذي يجلب "السعادة" في الدارين ، ورأيت في بيت (أبوحسين) نفوس سعيدة ، فأخوه النجار كان يوزع القفشات ، (وأبوحسين) دائم الإبتسامة وابنه يلعب هنا وهناك ، وحين حان وقت النوم ، فاض هذا الرجل أبوةً على ابنه وهو مستلقي على الارض على خرقة لا تقيه رطوبتها ، ويلاعب ابنه وابنه يلاعبه ، انها نفوس سعيدة!

- تراب الجنة!
"عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم" ، ورطة القطار التي أزعجتنا كثيرًا ، وأفسدت مخطط السفرة لوهله؛ كانت مما نكرهه ، ولكن في السفر تعرف معادن البشر ، وكان مرآة الحياة الصديق الحبيب (أحمد حيدر) هو النفس الكبيرة ، اختصر الموقف موجهًا كلامه لي "ليلة جديدة في ضيافة السيدة المعصومة .. لعله خير" ووجدنا الخير كله في هذا الجوار المبارك حين بدأ (أبوحسين) حديث ذكرياته في كربلاء والزيارة .. فتذكر أنه تحصل على تربة الحسين {ع} وأبى إلا أن يشاركنا بجزء منها ، فخرجنا بتلك الليلة بتراب من الجنة!

- التكنولوجيا ليست هي الحياة!
آخر ما يمكن تسجيله عن هذه الليلة اللطيفة هو حديث التكنولوجيا (الواتساب - التويتر - الإنستجرام) الانترنت بكل تعقيداته لا وجود له في منزل (أبوحسين) ، فهو أمر ترفي بالنسبة له ، و لا حاجة لمثل (أبوحسين) به ، نعم بالنسبة لنا هو مهم ومصدر للعلم والتواصل ، ولكن توقف ذهني كثيرًا على الساعات المهدورة على مواقع التواصل بلا مردود علمي وتواصلي حقيقي ، سوى ملئ فراغ الوقت الذي لا يعيشه أمثال هؤلاء ، ولا ينبغي أن نعيشه نحن فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) "اشغل نفسك بطاعة الله قبل أن تشغلك بمعصية الله" ، والسؤال هنا كم هي ساعات الغبن التي سنتحسر عليها يوم القيامة نتيجة الالتهاء بوسائل التواصل الاجتماعي !؟ 


وفي الصباح غادرنا عُش آل محمد (ص) الى مشهد الرضا (ع)!

اغيثوا السنة والشيعة ...


أغيثوا السنة والشيعة...

"سايكس بيكو" المشروع الإستعماري الذي قسم الحدود في الوطن العربي على أسس خبيثة تسهم في النزاع بين الشعوب على عدة اصعدة ، وكان أحد أبرز نتائجه أن زرع الكيان الصهيوني في المنطقة ، وما زالت المنطقة والعالم أجمع يعيش تبعات هذا الزرع الخبيث ، "سايكس بيكو" مشروع فرض فرضًا على الوطن العربي ولم يكن بارادة شعوب المنطقة ، اذ مرَّ في زمن الضعف والإستعمار وإرادة الشعوب المغيبة ..... لماذا هذا الإستحضار لتاريخ مؤلم في التقسيم ؟! لأننا اليوم نعيش في المنطقة مشروع "سايكس بيكو طائفي" خطره يفوق الأول بأضعاف ، اذ سيحقق هيمنة صهيونية استكبارية كامله على المنطقة ، ويرجع الأمة سنين الى الوراء ، فمشاريع التقسيم الطائفية كانت دومًا تستنزف الموارد البشرية والمادية بجنون ، وهي أخطر حينما يكمن خلفها عدو خارجي يتربص بالأمة الدوائر ....

الفرق أننا اليوم لسنا في ضعف وهوان واستعمار ، أننا اليوم رأينا الشعوب تقول كلمتها وتفرض ارادتها ، وإن شاب حراك الثورات ما شابه من ركوب استكباري قد استخدم فيما استخدم للركوب على الثورات مشاريع طائفية ، فنحن اليوم لسنا ضعاف ، ولكننا نضعف أنفسنا في معاونة الإستكبار وحلفاؤه وأدواته في مشاريع التقسيم الطائفي ، فأصبح الإستقطاب الطائفي عنوان المرحلة ، لسنا نخلي طرف الإستكبار وحلفاؤه وأدواته من السعار الطائفي المجنون في المنطقة ، فواقع مؤامرته أوضح من أن يستدل عليه ، ولكن نعتب ونلوم أنفسنا كشعوب وكأمة ، كيف نُساق للصراع الطائفي والمذهبي في اي اختلاف ولو على المستوى الشخصي فضلًا عن السياسي ، اذ لم يعد فقط المفكرين والساسة والمثقفين يعرفون سياسة "فرق تسد" ، بل حتى رجل الشارع العامي يعرف أن هذه السياسة هي لعبة الغرب الأولى في المنطقة ، لماذا هذه الحقيقة تغيب عن وعي الأمة في ابسط الأزمات ، حيث ينبغي أن تحضر !!.... 

مشاريع "سايكس بيكو الطائفي" تجاوزت جناحي الأمة من السنة والشيعة ، فحتى حينما ساد لون واحد في منطقة ما؛ تزرع فتنة بين هذا اللون تحت عناوين أخرى مثل الصراع الإسلامي العلماني في تونس مثلًا ، فـ "سايكس بيكو الطائفي" لا يقبل بسيادة الوحدة الوطنية أو القومية أو الإسلامية في محل ما في المنطقة ، فهذا يستأصل وجودهم من المنطقة ويُبعد هيمنتهم عليها ، بل وصل الحال في استجابة الأمة لمؤمرات الطائفية الى أن يتقاتل أبناء المذهب الواحد لاختلاف في الموقف السياسي ، وراح ضحيتها علماء وشخصيات .. 

هذا الواقع الذي نعيشه لابد أن نرفضه ونلفض كل اجزاءه خارج جسد الأمة ، ولابد أن نعيش صراعنا السياسي في ميدانيه السياسي فقط ، لابد أن نتنافس في البرامج السياسية دون تحويلها لصراعات طائفية ، وسوريا هي النموذج الذي ينبغي أن يُطرح في هذا المقال ، خصوصا أن انعكاس هذا الصراع في سوريا عمّ المنطقة كلها ، الصراع هناك ليس طائفي مذهبي ، كي نستورده هنا وهناك بلباس طائفي حدي مقيت ، وليس صراع وجود بين طائفتين ، حتى تجيش كل طائفة انصارها في ارجاء الوطن العربي والإسلامي ، خصوصاً أن في كل اتجاه وموقف هناك اطياف مختلفة من المذاهب بل من الأديان كذلك ، الصراع هناك صراع مشاريع وبرامج ، صراع قوى دوليه واقليميه ومحلية ، والإختلاف في اتخاذ المواقف مشروع طالما ظلّ في خانة الإختلاف السياسي ، ولا يتجاوزه الى الاعتداء الجسدي ، بل وحتى الارهاب الفكري والترهيب الإعلامي والديني مرفوض....

الصراع اليوم يبدو لأي مطلع على مجريات الأحداث بوعي هو صراع قوى عالمية ، صراع لتوزيع النفوذ على الساحة الدولية ، صراع لاعادة رسم المجتمع الدولي ، صراع ما بعد عالم القطب الواحد ، صراع يشكل معالم الكرة الأرضية المتعددة الأقطاب ، وهذا ما يسميه الإستراتيجيون بصراع التحولات "الجيواستراتيجة" ، في ظل هذا الصراع الأكبر ليس مقبولا أن تخضع الأمة للصراعات المصطنعة استكباريًا ، فهذه الصراعات المصطنعة تمنع أي دور للأمة في الساحة الدولية مستقبلًا كما منعته في الماضي ، هذه الصراعات المصطنعة تمنع بروز قطبية اسلامية تطرح ارادة شعوبها على المجتمع الدولي ، هذه الصراعات المصطنعه ستذيق الأمة ويلات الوصاية عليها من الأقطاب وتمحو ارادتها لسنين قادمة اذا لم يكن للقرن القادم كله...

فيا أمة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)؛ أغيثوا السنة والشيعة بتوسيع الأفق والصدور لتقبل الإختلاف السياسي والفكري ، أغيثوا السنة والشيعة بوقف الإستقطاب الطائفي الذي لا يخدم الا عدوهم الصهيوني ، أغيثوا السنة والشيعة بوقف علماء السوء اذ بدأوا بالكذب وتزوير الحقائق لصالح التجييش الطائفي ، اغيثوا السنة والشيعة لأن الصراع الطائفي سيستزف البشر والأموال والمشاعر والقلوب ، يا أمة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)؛ قفوا وقفة لله واغيثوا السنة والشيعة من "سايكس بيكو الطائفي" ....