كربلاء المصطفون..


تاريخ البشرية حافل بصراع الإرادات، بالقطع واليقين ليس دومًا طرفيه خيرٌ وشر، ولكن الشر دومًا هو أحد أطراف الصراع، فالخير لا يتصارع بل يتنافس فيه المختلف نحو التكامل في سبيل القيم والمبادئ، يتمكن المرء دون بحث وتمحيص أن يجزم أن كل بقعة في هذا الكون شهدت أو تشهد نوعًا من الصراع، وكل مقطع زماني في دورات البشرية كذلك يشهد ضرب من هذه الصراعات، وهذا ما تخوفت منه الملائكة في حوار ينقله الله ذو الجلال في كتابه الكريم "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" (البقرة 30) فطبيعة النوع البشري تتصارع حتى في أنفسها قبل مجتمعها، ولكن الله تبارك وتعالى يعلم ما لا يعلم خلقه.
في هذه البشرية المشحونة كانت رسالة الله السلام و"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ" (آل عمران 19)، وفي هذه البشرية مصطفون من السلام، ويدعون إلى دار السلام، بعد أن وهب الله أرواحهم السكينة والسلام، أنبياء ورسل ورسالات، لتوظيف طاقات البشرية في مسار التكامل، ليستحيل الصراع إلى تنافس في سبيل الله، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وما أشد مسارعة ذوي الألباب في هذا الميدان، وما أزهد الأغلب من البشر هنا، زهد الجاهلين الغافلين، لذا هرع هؤلاء لتصفية المصطفون لتستمر مسيرة الصراعات، مما اضطر المصطفون لخوض صراع ليس هو صراع الإرادات المذكور، بل صراع الخير والشر، صراع للدفاع عن البشرية التي تعرضت وتتعرض للغش والخداع، صراع للدفاع عن حقوق الإنسان الحقيقية، حقه في معرفة "من أين؟! وفي أين؟! وإلى أين؟!"، صراع للكشف عن حقيقة عالم التغير والفساد مقابل حياة يستحقها نوع الإنسان.
قدم المصطفون في هذا السبيل التضحيات الجسام، تضحيات لا يسع لذكرها كتاب فضلًا عن مقال، ذكرتها كتب السماء وكتب التاريخ البشري، بل وتحدثت روايات وكتب الملاحم عن نماذج مستقبلية للتضحيات التي سيقدمها أنصار المصطفون في هذا السبيل، إلى أن تظهر دولة العدل الإلهي التي يترقبها هذا الخط بأنبياءه ورسله وأوصيائهم وأنصارهم، ليتنافس فيها الأنداد نحو تكاملهم، بدل أن تتصارع إراداتهم على كل غث وسمين، وكان فصلًا مفصليًا في تضحيات المصطفون تضحية سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث أنها تضحية ممهدة لهذه الدولة التي ترقبها البشرية، بعد أن تفشل كل صراعات الإرادات في ارساء السلام على المعمورة، وهل من نفس لا ترنو للسلام ومجتمع لا يبحث عنه؟!
كربلاء!.. نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، نهضة الإمتداد لرسالة جده النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي قدم تضحيات جسام حتى قال : "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" (بحار الأنوار ج39، وكذلك وصيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قال: "لقد ظلمت عدد الحجر والمدر" (نهج البلاغة)، وهكذا على طوال الخط الذي قدمت فيه الزهراء صفوة المصطفون ما قدمت ودونه التاريخ، أما كربلاء فعلى صعيد البكاء والعطاء كانت القمة، فالإمام الحسن السبط الزكي في أوج ظلامته التي تقرح القلوب خاطب أخاه بـ "لا يوم كيومك يا أباعبد الله" (أمالي الشيخ الصدوق)، لأنها عاشوراء!.. حيث الحسين طعمة السيوف، ومـاذا أأروع مـن أن يكون لحمه وقفا على المبضع، كربلاء!.. حيث سبط آخر الأنبياء أجرمت بحقه عصبه من أمة جده بإسم دين جده ووحده هو وارث جده، هذا التزييف الذي مارسته تلك العصابة كان من الخطورة بأن يُخرج  الحسين معه بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى رأسهم فخر المخدرات زينب الكبرى، كيوم المباهلة يوم فصل رسول الله الحق عن الباطل بأسرته وأخرج معه سيدة الدنيا والآخرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)،  هنا المصطفون يواجهون خطر تزوير الرسالات بعد أن فشل المتزاحمون المتصارعون من اطفاء نور الله، لذا لم تتوانى طغمة الجور في ارتكاب أفضع الجرائم بحق أسرة آخر الأنبياء وأي نبي هو وأي عترة هي عترته، هي خير ما خلق الله من المصطفون.
لا عجب أن تستمر ذكرى كربلاء بحرارتها إلى اليوم وإلى يوم الدين، وكأن الأمة العاصية قد ارتكبت جريمتها بالأمس، لأنها التضحية الكبرى في هذا الخط الإلهي من حيث عظمة شخصيات المصطفون ومن حيث السوابق الإجرامية التي ارتكبها الأعداء، هنا الحق والباطل كالليل والنهار لا لبس فيهما، ولا عجب أن نستمر في مآتمنا على هذه المصيبة فتلك معجزة محمد بن عبد الله النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي أخبر أن لصاحب هذه المصيبة حرارة لا تنطفئ أبدًا، وهو وعده لابنته الطاهرة البتول بأنْ سيخلق الله شيعة يبكونه، وهو قسم حفيدته التي حملت لواء حفظ خط المصطفون، حيث واجهت رأس الإجرام بخطبة تبهر العقول وتفجع القلوب، نعم أقسمت زينب الكبرى "فوالله لن تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا"، لذا فإن شعائرنا التي نحيها هي بكل فخر تحقيقا لما أنبأ عنه رسول الله ووعده لابنته وقسم حفيدته، والشعائر هي سور مدرسة المصطفون، وكما يذكر د. هوستن سميث مؤلف كتاب أديان العالم في مقدمته "إن أحد أهم الأوهام العقلانية هي تصورها أن المبادئ العالمية لدين ما؛ أكثر أهمية من الطقوس والشعائر التي نمت تلك المبادئ في تربتها . إن هذا يشبه قول من يقول أن الشجرة أهم من الشمس والتربة اللذين أخذت الشجرة منهما حياتها"، فلا بقاء لكل المدرسة بمبادئها وقيمها إلا في إحياء الشعائر، لنستمر وتستمر مدرسة المصطفون في التضحيات والعطاء وصولًا ليوم ثارات الحسين (عليه السلام)، ثارات كل التضحيات والمضحين، وإحياء أمر الله على يد آخر الأوصياء لآخر الأنبياء.
السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ إِبْراهِيمَ خَلِيلِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُوسى كَلِيمِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عِيسى رُوحِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اللهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ فاطِمَةَ الزَّهْراءِ



ليلة عاشوراء ١٤٤٠ ه‍





سيد بلد



للتجارب الأولى دومًا لذتها الخاصة ، يدركها حصرًا من تذوقها ، مع أنها دائمًا محفوفة بكمٍ هائل من الوصف والتشويق ممن سبقك لها ، لكن الوصف شيء والمعايشة شيء آخر ، فوصف النور في الظلام لا ينيره ، وليس من سمع كمن رأى ، وهكذا كانت زيارتي الأولى مليئةً بالتشويق ، طوال طريقٍ طويل في حافلة مليئة بالركاب ، أستمع إلى قصص هنا وأحداث هناك ، وحديث عن مقامات هنا وآخر عن كرامات هناك ، فتساءلت حينها في نفسي أين أنا من هذا الفيض الإلهي المبارك ، لم أعرف عنه إلا الآن ، ويبدو أنني سأعرفه عند الوصول ولو كإشراقةٍ من شعاعٍ من شمس ..

في كتابه أعيان الشيعة يقول السيد محسن الأمين  العاملي بشأنه أنه " سيد جليل القدر عظيم الشأن ، كانت الشيعة تظن إنه الإمام من بعد أبيه (عليه السلام) " وبعد ارتحاله إلى ربه نص الإمام على أخيه وأظهر للناس حجة الله تعالى ، ولعل في ذلك الحكمة من الله تعالى ، لحفظ حجة الله ووالد الشمس التي توارت خلف السحاب ، فكان السيد محمد أبو جعفر بن الإمام علي الهادي (عليه السلام) من الممهدين لحفظ الوديعة الإلهية إلى اليوم المعلوم ..

عندما وصلنا إلى منطقة "بلد" بعد أكثر من خمس ساعات في الحافلة التي عرّجت أولًا إلى سُرّ من رأى لزيارة المراقد المقدسة ، نزلنا من الحافلة من مسافة بعيدة عن المرقد المقدس للسيد محمد بن علي ، صار كمُّ التشويق أكبر من حيث لا يدرون وأدري ، فالمسير إلى المراقد دومًا يحمل إلى أذنيك أصوات الداعين ، وحنين المشتاقين ، واستغاثة الملهوفين ، فهنا بيوت أذن الله ترفع ويذكر فيها اسمه ، وهنا رياض الجنة يرتع فيها المؤمنون ..

ولد السيد محمد المشهور بـ سبع الدجيل في عام 228 للهجرة ، في قرية من قرى المدينة المنورة على مشرفها وآله الصلاة والسلام ، ويقال لها صريا والتي بقي بها السيد محمد بن علي  بعد أن أمر الطاغية العباسي بنقل والده الإمام علي الهادي (عليه السلام) إلى سامراء حيث الإقامة الجبرية ورحلة الغربة المريرة ، وكما سبق وأشرنا شاع بين أصحاب أبيه أنه الإمام من بعده ، لسمو أخلاقه وغزارة علمه ومقاماته العالية ، بحيث أن مثل هؤلاء الأصحاب الذين هم الخلاصة كان لهم مثل هذا الإعتقاد ، إلى أن بدا أمر الله تعالى للناس في إمامنا الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام) ، وذلك حين رحل السيد إلى جوار ربه ، إذ بعد مدة من الفراق زار السيد محمد سامراء ومكث فيها عند أبيه ولازم فيها أخيه (عليهم السلام) ..

دخلنا في محيط الحضرة المقدسة ولفت نظري عند بوابة التفتيش الأولى امرأة عجوز مغادرة و تناظر القبة الشريفة وتخاطب السيد الجليل بلغة عامية ، تدخل إلى قلب كل من يسمعها فكيف لا تدخل في قلب صاحب هذه الجنة الزاهرة ، فهو من عترةً هي مظهر لطف الله وكرمه ، وفي زيارة أخرى ذات المنظر تكرر مع رجل عجوز وهو في سيارة الأجرة ، ويرفع "عقاله" ناخيًا السيد الجليل بأن لا يرد طلبته ، وهكذا المشاهد تتوالى ، والأصوات ترتفع وتنخفض والله سميع بصير ..

لسبع الدجيل صفات ومقامات عددها العلماء الأجلاء الباحثين في سير الطاهرين كالعلامة الشيخ محمد باقر القرشي إذا يقول فيه "  كان السيد محمد أبو جعفر انموذجاً رائعاً للأئمة الطاهرين ، وصورة صادقة لأفكارهم واتجاهاتهم ، وقد تميز بذكائه ، وخلقه الرفيع ، وسعة علمه ، وسمو آدابه حتى اعتقد الكثيرون من الشيعة أنه الإمام من بعد أبيه الهادي عليه السلام"

ومن الرجل والمرأة العجوز كان الإلهام، فبعد دخول الحضرة الطاهرة وأداء المراسم المستحبة من اذن الدخول وقراءة الزيارة ، قررت أن أخاطب السيد بلهجتي وعلى سجيتي ، وشكرت الله أن وفقني لذلك الموقف ، فكان أجمل مما وصف وأكبر من أن يوصف ، وما زلت في زياراتي له أُفضل مخاطبته على السجية ، وأشعر أن ما يخرج من قلبي لعله يوفق فيلج في قلب صاحب المشهد ، فأفوز فوزًا عظيمًا ، سواء تحقق قضاء الحوائج أم كان لله تبارك وتعالى حكمة أخرى ، فلذة المناجاة مع العبد الصالح هي المنى الأكبر ..

مما روى العارف الكيلاني في رحيل السيد : مرض أبو جعفر مرضاً شديداً ، واشتدت به العلة ، ولا نعلم سبب مرضه هل إنه سقي سُمّاً من قبل أعدائه وحساده العباسيين الذين عزّ عليهم أن يروا تعظيم الجماهير وإكبارهم إياه ، أم أن ما مني به من مرض كان مفاجئاً؟ وعلى أي حال فقد بقي أبو جعفر (عليه السلام) أياماً يعاني السقم حتى ذبلت نضارة شبابه ، وكان الإمام أبو محمد الحسن (عليه السلام) ملازماً له وقد ضاقت به الهموم على أخيه الذي كان من أعزّ الناس عنده ومن أخلصهم له إضافة إنه كان أخاه الأكبر.
وثقل حال أبي جعفر وفتك به المرض فتكاً ذريعاً ، واشتد به النزع ، فأخذ يتلو آيات من الذكر الحكيم ، ويمجد الله حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها كما تصعد أرواح الأنبياء والأوصياء تحفها ملائكة الرحمن ، وتصدع قلب أبي محمد (عليه السلام) ، فقدْ فقدَ شقيقه الذي كان عنده أعز من الحياة ، وطافت به موجات من اللوعة والأسى والحسرات ، وخرج وهو غارق بالبكاء والنحيب ، وقد شق جيبه لهول مصيبته بأخيه وتصدعت القلوب لمنظره الحزين ، وألجمت الألسن ، وترك الناس بين صائح ونائح قد نخر الحزن قلوبهم.

اشتهرت عن السيد الجليل الكرامات الكثيرة والكبيرة ، حتى أن لقبه الشهير عند الناس اليوم هو سبع الدجيل كان نتيجة لهذه المقامات الجليلة العظيمة ، فقد تلقب به بعد أن كان قطاع الطرق في الأزمنة السابقة يهابون التعرض لمرقده وزواره لما تجلى لهم من الكرامات الباهرة ، وكان أحد أحبابنا في زيارتي الأولى للمرقد الطاهر ممن يهاب مقامه لما عايشه بنفسه من إحدى كرامات السيد الجليل ، وقد حمل أمانة للمرقد ، فكنا نمازحه بأنها قد تلفت أو قد تتلف ، فلم يسترح له بال وخاطر إلا حينما أوصلها كما هي للمرقد الطاهر ، فالكرامات هنا واقع محسوس ..

يقول السيد محمد كاظم القزويني في كتابه الإمام الهادي من المهد إلى اللحد "ولا نعلم سببَ وفاة السيّد محمّد في تلك السنّ ، فنعتبر وفاته حتف أنفه مشكوكاً فيها ، لأنّ الأعداء كانوا ينتهزون كلَّ فرصةٍ لقطع خطّ الإمامة في أهل البيت عليهم السّلام ، فلعلّهم لَمّا عرفوا أنّ السيّد محمّداً رضوان الله عليه هو أكبرَ أولاد أبيه الهادي سلام الله عليه، وهو ( المحتمل ) أن يكون مرشّحاً للإمامة بعد أبيه ، قتلوه كما قتلوا أسلافه مِن قبل ، فانتهز الإمام الهادي (عليه السّلام) الفرصة ليَنُصَّ على ولده الحسن العسكريّ (عليه السّلام) بالإمامة بمحضرٍ من أولئك الناس"  ، فببركته حفظت الإمامة والإمام ..

السيد محمد بن الإمام الهادي هو أحد أبواب الوسيلة إلى الله تعالى ، وكم حورب هذا المقام حتى زماننا هذا ، إذ تشرفت بزيارته ذات مرة ، فكان المرقد يخلو إلا من زوار لا يتعدى عددهم أصابع اليدين ، وعلقت بالشوارع الخالية صور أبناء هذه البلدة من ضحايا الإرهاب ومواجهته ، فالمدينة كغيرها تحكي ظلامة آل محمد في كل زمان ، وبعد هذه الزيارة كانت زيارة أخرى ، كان الحال غير الحال ، مئات ملئت الصحن الشريف ، وزوار من كل أنحاء العالم الإسلامي ، نعم فالسبع قد حمى عرينه وقصده الناس آمنين ، وكما يقال فإن الوجدان أدل من البرهان ، فمن عاش واقع الإستجابة عبر الوسيلة التي ارتضاها الله تبارك وتعالى هو ممن ذاق فعرف وعشق ، لن يجدي معه استهزاء وتسفيه بل وحتى تكفير وتفجير ..

في كتاب منتهى الآمال للمحدث القمي يحدثنا عن المزار المبارك فيقول "مزار السيد محمد في ثمان فراسخ عن سر من رأى قرب قرية بلد ، وهو أجلاء السادة وصاحب كرامات متواترة حتى عند أهل السنة والأعراب ، فهم يخشونه كثيراً ولا يحلفون به يميناً كاذبة ، ويجلبون النذور إلى قبره ، بل يقسم الناس بحقه في سامراء لفصل الدعاوي والشكايات ، ولقد رأينا مراراً ان المنكر لأموال شخص مثلاً إذا طلبوا منه القسم بأبي جعفر كان يرد المال ولا يقسم ، وذلك لتجربتهم أن الكاذب لو حلف به يصيبه الضر ، ورأينا منه في أيامنا هذه كرامات باهرة ، ولقد عزم بعض العلماء أن يجمع تلك الكلمات ويدونها حتى تصير كتاباً يحتوي على فضائله"

وختامًا يقول الحكيم ابن رشد في كتابه تهافت التهافت "من رفع الأسباب رفع العقل" وكان ذلك ضمن تفنيده مقال منكري قانون العلية التي يسير بها نظام الكون وعقل الإنسان ، فهو القانون الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى كما ورد في الأثر الشريف عنهم (عليهم السلام) "أبى الله إلا أن يجري الأمور إلا بأسبابها" (بحار الأنوار) ، ولا دليل على اقتصار هذا القانون على عالم الملك ، بل هو سار في كل عالم به الإنسان وعقله ، وإن توارت عن الأفهام أسرار بعض العلاقات العلية ، وإحدى هذه المظاهر هو العلاقة بين الإستجابة والوسيلة إلى الله عز وجل ، كما بقية العلاقات التي بينها القرآن كالصلاة والنهي عن الفحشاء والمنكر ، فلا قيمة بعد هذا لمن يدعي العقل والتعقل ، وهو يهزأ بمثل هذه المظاهر عند المراقد الشريفة ، فهو قد رفع الأسباب التي يجهلها فرفع عقله معها ، بينما فيلسوف عقلي "كأمانويل كانت" توقف عند الماورائيات الدينية باعتبارها مجالًا للتلقي الوحياني ..

والسلام على أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يوم ولد ويوم رحل ويوم يبعث حيا



ملاحظة : تمت الإستفادة في كتابة هذا المقال من بعض المواقع الإلكترونية العلمية المعتمدة على المصادر الحديثية والبحثية







التسليم .. سر ملحمة الخلود


العقل سيد المخلوقات ، شرف الله به بني آدم ، وجعله الميزان في حركة الإنسان ، وقد ورد في البحار عن الإمام الصادق (عليه السلام) : " لما خلق الله العقل ، قال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ، بك آخذ ، وبك أعطي ، وعليك أثيب" ، بهذا العقل عُبد الرحمن ، واكتسبت الجنان ، وصار الإنسان إنسان ، شرط أن يوضع في موضعه كي لا يضيع بين إفراط يسرف فيه وتفريط يعطله ، وكمال هذا العقل هو التسليم لما هو مسلَّم بلا حرج ، ولذا نجده في الرواية المذكورة مسلّمٌ لأمر الله في الإقبال والإدبار ، حيث أنه مقر له بالعبودية شاكرًا بالطاعة ، بعد اليقين بأن لا إله إلا الله . 
التسليم وهو الحركة الناتجة عن الإقرار والإذعان العقلي لليقينيات ، على النقيض من التقليد ، وحتمًا ليس المقصود من التقليد هو رجوع الجاهل إلى العالم ، تلك السنة العقلية والشرعية ، وإنما التقليد المقصود هو الإتباع دون علم وعقل ، وهي الظاهرة التي ذمها القرآن ورفضها العقل ، والفارق الجوهري بين التسليم والتقليد ، هو أن صاحب الأول ذو حجة وبرهان ويقين في انقياده ، أما صاحب الثاني فحجته هي عمله وانقياده ، وفي كتاب الله العزيز كانت المواجهة دومًا بين خط التسليم المتمثل بالأنبياء والأولياء ، وبين خط التقليد المتمثل بالمستكبرين ، " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ، أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ" ،  إبراهيم يحاجج بالعقل ، والقوم يردون بالتقليد .
قال الله في كتابه العزيز " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا " ، فالإيمان إذًا رهينة التسليم ، والتسليم كمال العقل ، فالمؤمن حق المؤمن هو العاقل ، الذي أدرك ربه ، وسار في خط رسله وأنبياءه وأولياءه ، بعد أن استثاروا دفائن عقله ، فلا يجد بعدها حرجًا في الإذعان حتى فيما لا تُدرك حكمته العقول ، التي كان كمال تسليمها معرفتها بحدودها وآفاقها ، فهي مؤمنة بالغيب كما هي مؤمنة بالشهود ، لذلك حكى القرآن عن المؤمنين تصديقهم لوعد الله في أحلك المواقف " وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا" .
ومن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأحزاب ، إلى أصحاب الحسين (عليه السلام) في كربلاء ، فكربلاء كما أبدع أحد العلماء هي سرية من سرايا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)  كلّف بها الحسين (عليه السلام) ، والنظر فيها لابد أن ينقلنا من الدمعة إلى الغاية ، ومن البطولة إلى التأسي ، لنكون معهم فنفوز فوزًا عظيما ، فعاشوراء هي ملحمة الخلود ، يجد فيها الطفل طفولته ، والفتى فتوته ، والرجل رجولته ، وكانت المرأة فيها زينب (عليها السلام) ، والإنسان إذا كان يبحث له عن دور تمهيدي مهدوي ، فليعبر جسر كربلاء بقراءة واعية لأبطاله في سيرتهم الكاملة ما قبل عاشوراء ، لينال ما نالوا في عاشوراء ، ودراسة ذلك جديرة وتحتاج إلى مقام موسع وبحث معمق .
من خطبة لسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) حين عزم الخروج إلى العراق قال : " وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء ، فيملآن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين" ، كانت هذه الخطبة وغيرها من كلمات سيد الشهداء التي تنضح بالتسليم لله فيما قضاه ، قد أجْلَت منذ بداية المسير إلى الشهادة عن المسار والمصير والغاية ، فلذا كانت الكوكبة في عاشوراء مضرب المثل في التسليم لله ولوليه تبعًا لإمامهم ، ونقتفي في ذلك بعض الكلمات وبعض التضحيات .
ولعلنا نقتصر على بعض النماذج لضيق المقام ، بعد أن صدرناها بسيدهم الإمام الحسين (عليه السلام) ، لننتقل إلى عقيلة الطالبيين زينب الكبرى (عليها السلام) التي كشفت عن تسليمها لله حين رفعت ذلك الجثمان بذاك الحال الذي ضجت له أملاك السماء فقالت وهي العالمة غير المعلمة "اللهم تقبل منا هذا القربان" ، وبهذا العزم قادت النهضة الحسينية بعد الشهادة ، ومن موقف الحوراء إلى الكفيل أبا الفضل العباس (عليه السلام) الذي شهد له الإمام في الزيارة بأنه "العبد الصالح المطيع لله ولرسوله" ، ومن يشهد له حجة الله لا حاجة لأن نبحث في سيرته ، إلا لتتزود أنفسنا من معينه ، ويكفينا في المقام أن نتأمل العباس (عليه السلام) سيد الغيرة ، وهو يرى تلك الأهوال النازلة ، ويسمع صياح الأطفال العطشى ، وبكاء النساء الثكلى ، ويقرع سمعه استغاثات ولي الله ، وهو غير مأذون له بالقتال ، فيصبر بصبر لا يكون إلا لمن كان قلبه مسلمًا لله تعالى ولرسوله ، وله أسوة في ذلك بأبيه الوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) وصبره وتسليمه في مأساة الزهراء (عليها السلام) ، لذلك نرى استئذانه من سيد الشهداء (عليه السلام) بكلماتٍ تتشظى لهبًا مناديًا : " قد ضاق صدري ، وسئمت من الحياة ، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين ".
وفي قولةِ علي الأكبر (عليه السلام) لأبيه الحسين (عليه السلام) : "ما دمنا على الحق فو الله لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا " آية من آيات التسليم لشاب نافذ البصيرة ، سلّم للحق تسليما وأرخص له النفس والنفيس ، وكذلك ابن عمه القاسم (عليه السلام) ابن السبط الزكي المجتبى (عليه السلام) الذي يرى الموت بين يدي عمه الحسين (عليه السلام) أحلى من العسل ، وهو الذي لم يبلغ الحلم عمرًا ، وبلغ الرشد عقلًا بالتسليم لحجة الله ، كيف لا وهو بن العقل المتجسد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)   ، هذه نماذج مما كان من أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ، أما من الأصحاب الذين هم خير الأصحاب بشهادة ولي الله سيد الشهداء (عليهم السلام) فقد اقتبسوا من الشمس شعاعًا ، فتفانوا تسليمًا بالقول والعمل ، حتى حين أرخصهم سيد الشهداء (عليه السلام) في جنح الظلام ، كان التسليم قد روى صدورهم ، حتى تمنوا الموت والتقطيع ألف مرة دون ولي الله ، حتى لو كانت الحياة فانية فكيف وهي باقية ، هكذا العقل حين يكمل ، وهكذا  كربلاء والكربلائيون ، ملاحم التسليم التي قادت للتضحية ، وهكذا يكون الإنسان كربلائيًا في كل حين ، يسلم أمره لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) بلا حرج ، فيكون ممهدًا ومهدويًا.


المقال مشاركة في مجلة الطف الإلكترونية
لتحميل المجلة على الرابط التالي :

في محرم لسنا بحاجة!

في محرم .. لسنا بحاجة! 

محرم وفي عشرة الحسين الأولى من هذا الشهر الدامي ، باب عطاءٍ لا ينفد على الإنسان ، هي استجابة "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" ، فقد جمعت كربلاء بمصيبتها وثورتها خير الدنيا والآخرة ، لذلك لم ترَ زينب (عليها السلام) كل ذلك إلا جميلاً ، ومع الأزمان تكبر كربلاء في النفوس إلى يوم العدل الإلهي على يد المنصور المؤيد من آل محمد ، وليكون هذا الموسم معطاءً على الأرواح ينبغي أن تكون صافية من الكدورات ، لذلك في محرم لسنا بحاجة ...

لسنا بحاجة إلى المزايدة على حب الحسين (عليه السلام) فلا يزايد على الناس إلا الناقص ، ففي حدود شرع الله كلٌ يبرز حبه كما يشاء ، لتُرسم لوحة العزاء بكل ألوانه..

لسنا بحاجة إلى الجدل والمراء في مصاديق الشعائر ، بل بحاجة إلى ذلك الحزن الذي يكون قنطرة إلى الفكر والنهضة ، لذا فليتعبد كلٌ بتكليفه الشرعي وليعلم أن كربلاء تسع كل حسيني..

لسنا بحاجة للتشبه بالبهائم لابراز العلقة بين المؤمن والحسين (عليه السلام) ، فالمؤمن عزيز بالحسين وآل الحسين (عليهم السلام) ، ومن نهضته يتعلم المرء كيف يكون "إنسان" يصدح بـ "هيهات منا الذلة"..

لسنا بحاجة لإجترار قضايا المقارنة العقدية والكلامية على المنابر ، فحركة الفكر اليوم بحاجة إلى تنظير أصيل يبحث في المُغيّب من كنوز تراث آل محمد ، ليُعرض العرض الحسن الذي يرتضيه جعفر بن محمد (عليه السلام)..

لسنا بحاجة إلى التراشق المنبري وتبعًا له التراشق في مواقع التواصل الإجتماعي في اختلاف الأفهام والنظرات ، لأنه لا يتوفر على شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل هو منكرٌ ينبغي تركه والنهي عنه.. 

لسنا بحاجة لتأدية فلكلور فقط في الحضور والمحاضرة ، بل بحاجة إلى التجديد في الإسلوب والطرح بما يتناسب والزمان والمكان ، للخروج بمنبر حدد شرطيه الإمام السجاد (عليه السلام) : "لله فيه رضا وللناس فيه صلاح"..

لسنا بحاجة للتركيز على الوسائل الراكزة في أذهان الناس وستبقى بإذن الله ، ولكننا بحاجة أن لا تُحال إلى غايات حين تُفرّغ من مضامينها ، فشعائر الحسين (عليه السلام) علامات داله على نهضته ، وإحياء النهضة الحسينية إحياء للإسلام..

لسنا بحاجة إلى الحديث عن الأخلاق دون أن يتمثل ذلك بوضوح في سلوك الحسيني الغيور في كل موقف ، ولنعلم أن الدعاة الصامتين خير الدعاة إلى الله تعالى..

لسنا بحاجة إلى استفزاز الآخر المخالف في الموقف والكلمة ، إنما نحن مأمورين بالعرض الحسن الجاذب للعترة الطاهرة ، وكلهم وكل أمرهم حسن..

لسنا بحاجة لنقل وقائع المآتم والعزاء على الفضائيات فتلك أمور مخصوصة لأهلها ، ولابد من وجود رؤية مدروسة لما يُبث على الفضائيات الإسلامية ، لتحصيل الأثر الإيجابي من عرض تراث آل محمد (صلى الله عليه وآله)..

لسنا بحاجة إلى طرح الكرامات دون معرفة مرامي صاحب الكرامات ، فأهل اليقين لا تزيدهم الكرامة يقينًا ، ولابد أن يقف نخبة الخطباء وقفةً تجاه ما يبث من زيف في بعض الأحيان باسم الكرامة والمقامات..

 لسنا بحاجة إلى التباري في الحضور والمنابر والخطباء ، ولابد أن نعي تكامل الإختلاف في مناهج الطرح المنبري ، ليختار الجمهور المختلف بطبيعته عن حاجته من هذه المنابر المختلفة.. 

لسنا بحاجة إلى ظواهر لا تقبلها ثقافة عاشوراء ، فالمواكب التي توزع البركة من شأن الشبان لا الفتيات ، والفصل ما بين عزاء النساء والرجال أولى ، وكل فرد له دور لا يتعداه ، فهذا هو جمال الدين وجمال عاشوراء..


نحن بحاجة أن نفهم "حسين مني وأنا من حسين" لنقتفي إثر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة (عليهم السلام) بالوسائل والغايات ..

أمي تعلمني!


الغايات الرفيعة لا تُنال إلا بالكدح لله جل جلاله ، فهو غاية الغايات والهدف في كل عمل المؤمنين ، ونيل رضوانه هو الفوز الذي لا فوز بعده ، أما السبيل إلى ذلك هم عترة محمد بن عبد الله النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، باعتبارهم حجج الله تعالى على الخلق فيما قالوا وفعلوا ، وبذلك كانوا القدوة والأسوة العملية في حياة الفرد والمجتمع ، للوصول لغايات الكدح والعمل ، نعم هم موجودات ملكوتية لا تنال مقاماتها الحقيقية أفهام ذوي الألباب ، إلا أنهم في حياتهم البشرية مثل أعلى لكل سائر الى الله .

لكل معصوم منهم محطات يُستسقى منها ما يروي ظمأ البشرية ، فكانت فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين (عليها السلام) قطب تدور حوله أفلاك الصالحات ، وهذا ما شاهدته عيانًا في حياة المرحومة بإذن الله تعالى والدتي الحاجة خديجة كاظم عبد الحسين ، اذ ارتبطت بالسيدة الزهراء (عليها السلام) وبعزيزتها أم البنين (عليها السلام) ، ارتباطًا يلتمس القدوة والأسوة لتمارس دورها في الحياة كإمرأة مؤمنة تبتغي وجه الله فيما تقول وتفعل ، هذا الإرتباط الذي جعلها تعيش مأساة الزهراء (عليها السلام) ومصابها ، ذارفة دموعها من قلب يشتعل حزنًا على ما جرى عليها في سبيل الله ، وكذلك شأنها مع أم البنين (عليها السلام) فيما عاشت من مصائب ورزايا ، حتى رحلت والدتي العزيزة وهي تندب الزهراء وعزيزتها (عليهما السلام) .

شهادة لله تعالى أشهدها بحق والدتي ويشاطرني في هذه الشهادة إخوتي وأخواتي؛ شهادة سنيني الخمس والعشرون التي عشتها معها ، أنها كما نقول "كفت ووفت" في تربيتها لنا وتعليمنا واعدادنا لكل خير ، وكذلك أنقل شهادة والدي العزيز الحاج "زهير عبد الهادي المحميد" في حقها إذ قال "لم أرَ من هذه الطاهرة أي أذى في حياتي" حتى أطلق عليها لقب "أم الخير" ، ولا أنسى شهادة جدي الحاج "كاظم عبد الحسين" والدها حين كان يردد "ما قثتني في حياتها ولا بكلمة" ، وكان هذا درسًا عمليًا لنا كأبناء أن نكون كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : "خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتمْ بعدها بَكَوْا عَلَيْكُمْ وَ إِنْ عِشتمْ حَنوا إِلَيْكُمْ " .

في حياتها علمتني الكثير سواء قولًا وفعلًا ، لعل أبرزه الإرتباط بالله عز وجل في كل الحالات ، فكانت لا تنفك عن عباداتها ومحرابها إلا لعبادة أخرى في رعاية أسرتها وتنشأتها على هذا الإرتباط ، ولم تنسَ نصيب مجتمعها إذ كانت مربية ومعلمة للفتيات في الدورات الإسلامية ، دورات لتعليم القرآن ونشر معارف الدين وإحياء شعائر الحسين (عليه السلام) ، حتى نشأ جيل من الفتيات على يديها لم ولن ينساها كما يُنقل لنا من أهلنا؛ مشاهد وفاء ممن تربى على يديها في حضور عزائها ، ورثائها كمعلمة ومربية لهن ، وكان من لوازم ارتباطها بالله صفات يعرفها عنها كل من عرفها ، من عفة وحياء وعزة نفس وكرامة ، وسمو على الجراحات بقلب يسامح ويصافح الجميع ، حتى وصف أخوها الأكبر الخال الحاج "حسين كاظم" قلبها أنه "أبيض يمحي كل سوء" .

ورد عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال "الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ ، َحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ" هذه الحكمة لسيد الحكمة كانت من أبرز ما علمتنيه أمي رحمها الله ، ففي أوج بلائها ومرضها كانت متبسمة في وجوه أحبابها ، تمارس حياتها بكل تفاصيلها من رعاية لأسرتها ، بقلب مطمئن بأن ما أصابها بعين الله تعالى ، كانت تخفي الكثير من معاناتها ومرضها عنا كأبنائها ، كي لا نتألم ، وأخفت كذلك عن والديها آلامها؛ التي كانت تهونها عليهم دومًا بابتسامتها وبكلمة "أنا بخير ، الحمد لله" ، حنان وعطف ورعاية تعلوها ابتسامة ، رغم البلاء والآلام والمرض ، يعني ذلك أنها صابرة وشاكرة وراضية ، وبذلك علمتني عمليًا كل ذلك .

"وكانت في حياتكَ لي عظاتٌ .. وأنت اليوم أوعظ منك حيًا" ، أستعير قول الشاعر هذا لأبين ما تعلمته من رحيلها إلى رضوان الله تعالى وجنانه ، فسنيني معها لم تكن كافية لأتعلم منها كل ما أرادت ، فعلمتني برحيلها الكثير ، فبعد رحيلها رأيت سنة الله تعالى فيمن يكتم صدقته ، إذ عرفنا بعد رحيلها أنها كانت ترعى أيتام وأرامل المسلمين في شتى البلدان ، فجزاها الله بأن صار الصالحين والصالحات يتسابقون في عمل الخير باسمها ولروحها الطيبة ، ورأيت سنة الله تعالى فيمن يكتم بلاءه صابرًا وشاكرًا ، حتى دعا لها القريب والغريب من علماء ومؤمنين ومؤمنات ، ووصلتني الرسائل من شتى البقاع المقدسة من العلماء والأصدقاء ، أنهم لم ينسوها من الدعاء والصلاة عند ساداتها وسادات الخلق أجمعين ، خصوصًا أن الله تعالى اختارها إلى جواره في يوم عرفة المبارك ، والناس منشغلة بعبادتها ، فأشرك الله تعالى والدتي في دعائهم وعبادتهم ، جزاءً لصبرها وشكرها ، وجزاء الآخرة عند الله تعالى أكبر .

نعم!.. ما زالت أمي تعلمني ، ولم ولن يهون علي ألم فراقها إلا ما تعلمته من صبرها وشكرها ورضاها بقضاء الله تعالى ، ولن أنساها ما حييت في كل صالح ، أسأل الله تعالى أن أكون لها صدقة جارية ، والحمد لله أولا وأخيرًا ، رحم الله من قرأ الفاتحة على روحها الطيبة.